ما هي ظاهرة "حاجز أوميجا"؟
خلال هذا الصيف شهدت عدة دول أوروبية موجات حر شديدة ارتبط بعضها بظاهرة جوية تعرف باسم "حاجز أوميجا" (Omega Block)، وهي نمط جوي يؤدي إلى احتجاز الهواء الساخن فوق منطقة معينة لأيام أو أسابيع، مما يمنع مرور الكتل الهوائية الباردة ويؤدي إلى استمرار ارتفاع درجات الحرارة.
وتؤكد المنظمة العالمية للأرصاد الجوية (WMO)، والهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC)، وخدمة كوبرنيكوس الأوروبية لتغير المناخ (Copernicus)، أن تغير المناخ الناتج عن الأنشطة البشرية يزيد من احتمالية حدوث موجات الحر وشدتها ومدتها، حتى وإن كانت الأنماط الجوية مثل "حاجز أوميجا" ظواهر طبيعية في الأصل.
وفقًا لـ المنظمة العالمية للأرصاد الجوية (WMO)، تُعد موجات الحر أحد أبرز أشكال الحرارة الشديدة، وهي من أخطر الظواهر الجوية والمناخية وأكثرها تسببًا في الوفيات عالميًا.
ولا تُعرّف موجة الحر بدرجة حرارة ثابتة على مستوى العالم، بل تختلف وفقًا للمناخ المحلي وقدرة السكان والبنية التحتية والنظم البيئية على التكيف مع الحرارة.
كما أن موجة الحر لا تعني مجموعة أيام حارة متتالية؛ وإنما تتميز بتراكم الحرارة خلال النهار والليل؛ إذ تمنع الليالي الدافئة الأرض والمباني وأجسام البشر من التخلص من الحرارة المكتسبة نهارًا، ما يزيد من الإجهاد الحراري ويضاعف الضغوط على الصحة العامة، والطاقة، ووسائل النقل، والزراعة، والنظم البيئية، ويرفع كذلك من مخاطر حرائق الغابات.
وتشير المنظمة إلى أن الحرارة الخطرة لا تقتصر على موجات الحر وحدها، فإن ارتفاع الحرارة المصحوب بالرطوبة العالية قد يخلق ظروفًا شديدة الخطورة حتى في غياب موجة حر بالمعنى التقليدي، وهو ما يجعل تقييم المخاطر يعتمد على مجموعة من العوامل مثل:
أثارت موجات الحر الأخيرة في أوروبا تساؤلات واسعة بعدما سجلت بعض الدول درجات حرارة تراوحت بين 38 و46 درجة مئوية، تزامنًا مع تسجيل حالات وفيات وإجهاد حراري واسع النطاق.
وتشير بيانات المرصد الأوروبي للمناخ والصحة إلى أن أوروبا تُعد أسرع قارات العالم احترارًا، وقد شهدت خلال السنوات الأخيرة درجات حرارة صيفية قياسية وموجات حر متكررة وطويلة الأمد، مع تزايد ملحوظ في شدتها ومدتها، خاصة في جنوب القارة.
وتُظهر التقديرات أن:
وتحذر التوقعات من أن مخاطر الحرارة ستزداد خلال العقود المقبلة حتى في سيناريوهات الحد من الاحترار العالمي، مع توقع تعرض نحو 100 مليون شخص في الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة لموجات حر شديدة سنويًا بحلول نهاية القرن إذا اقتصر الاحترار على 1.5 درجة مئوية، في حين قد ترتفع الوفيات المرتبطة بالحرارة أكثر من 30 ضعفًا في سيناريو ارتفاع الحرارة العالمية إلى 3 درجات مئوية ما لم تُتخذ إجراءات تكيف فعالة.
وفقًا لتحليل World Weather Attribution ترجع خطورة موجة الحر الحالية في أوروبا إلى تداخل عوامل مناخية وبشرية جعلتها الأكثر شدة واتساعًا على الإطلاق في المنطقة.
فمن الناحية المناخية:
ولا ترتبط المخاطر بالطقس وحده، بل تتفاقم أيضًا بسبب عوامل اجتماعية وعمرانية:
سكان مصر ودول الخليج يعيشون في مناخ حار منذ عقود، لذلك تتكيف أجسامهم تدريجيًا مع الحرارة، كما تتكيف أنماط حياتهم معها؛ فتنتشر ثقافة تجنب النشاط وقت الظهيرة، والعمل في ساعات أقل حرارة، وارتداء الملابس المناسبة، وشرب كميات أكبر من المياه.
في المقابل، تكون موجات الحر في أوروبا أحداثًا استثنائية بالنسبة لكثير من السكان، ما يجعل تأثيرها الصحي أكبر.
وتشير الوكالة الأوروبية للبيئة إلى أن تأثير الحرارة يعتمد على مدى تأقلم السكان والمؤسسات مع المناخ المحلي، وليس على درجة الحرارة وحدها.
لا يعني ذلك أن الحرارة في مصر غير خطيرة، فقد تتسبب أيضًا في وفيات وإصابات، لكن الاختلاف يعود إلى طبيعة المناخ والتكيف المجتمعي.
كما أن المقارنة بين درجتي حرارة فقط قد تكون مضللة، لأن الإحساس الحقيقي بالحرارة يعتمد أيضًا على الرطوبة وسرعة الرياح والإشعاع الشمسي ودرجة الحرارة الليلية، وليس على الرقم المسجل وحده؛ ولهذا قد تكون درجة حرارة 39 مئوية في مدينة أوروبية أكثر خطورة من 43 مئوية في منطقة صحراوية جافة، بحسب الظروف الجوية المحيطة.
في ظل الحديث عن موجات الحر القاتلة في أوروبا تداول الكثيرون معلومات حول ظاهرة باسم "حاجز أوميجا" (Omega Block) واعتبروا أنه سببًا في الموجة الحالية.
وعرضت وكالة رويترز فيديو يلخص ظاهرة "الأوميجا"؛ موضحة أنها موجة حر تجلب الهواء الدافئ من أفريقيا، كما أن هذه الظاهرة تتحرك ببطء شديد، مما يعني انعدام الرياح أوأي نسمات هوائية قد توفر بعض الراحة أو التلطيف للجو.
ويعد حاجز أوميجا (Omega Block) هو نمط جوي ثابت ينشأ عندما يتمركز مرتفع جوي قوي بين منخفضين جويين، فيأخذ شكل حرف Ω (أوميغا) اليوناني على خرائط الطقس؛ يعني وجود ما يشبه "النتوء" أو البروز في نطاق الضغط الجوي، حيث تتمركز كتلة من الهواء الساخن تحته، بينما يحيط به هواء أبرد من الجانبين، ويؤدي هذا الوضع إلى سحب الهواء الدافئ صعوداً من
شمال أفريقيا، وتحديداً من الصحراء الكبرى؛ وهذا هو سبب هذه الحرارة الشديدة؛
ويؤدي هذا النمط إلى إبطاء أو تعطيل الحركة المعتادة للأنظمة الجوية من الغرب إلى الشرق، ما يجعل الأحوال الجوية تستمر لعدة أيام أو حتى أسابيع.
وفي المنطقة الواقعة أسفل المرتفع الجوي، يسود طقس حار وجاف ومستقر مع رياح ضعيفة وغياب للسحب والأمطار، وهو ما يسمح بتراكم الحرارة يومًا بعد يوم ويزيد من احتمال حدوث موجات حر شديدة وطويلة الأمد.
في المقابل، تشهد المناطق الواقعة على جانبي المرتفع ظروفًا أكثر برودة واضطرابًا نتيجة تأثير المنخفضين الجويين.
ويُعد هذا النمط أحد العوامل الجوية التي قد تسهم في تضخيم موجات الحر عندما يستمر لفترات طويلة.
تشير الدراسات إلى أن أنماط حاجز أوميغا (Omega Blocking) لا تؤدي إلى موجات حر فقط، بل قد تتسبب في ظواهر جوية متطرفة متزامنة في مناطق مختلفة من أوروبا.
حيث حدث في سبتمبر 2023، تمركز مرتفع جوي ثابت فوق وسط أوروبا وجنوب اسكندنافيا نتج عنه موجة حر شديدة، بينما تسببت المنخفضات الجوية على جانبيه في هطول أمطار غزيرة وفيضانات مدمرة في شبه الجزيرة الأيبيرية واليونان.
وتوضح الدراسة أن هذا النمط يخلق ما يُعرف بـ"الظواهر المركبة مكانيًا" (Spatially Compounding Extremes)، حيث تتعرض مناطق مختلفة في الوقت نفسه لأنواع مختلفة من الطقس المتطرف، ما يزيد من تعقيد إدارة الكوارث والاستجابة لها، ويؤكد أن تأثيرات حاجز أوميغا لا تقتصر على الحرارة وحدها، بل تمتد إلى تعزيز مخاطر الفيضانات وغيرها من الظواهر الجوية المتزامنة.
توصي منظمة الصحة العالمية والمنظمة العالمية للأرصاد الجوية باتخاذ عدد من الإجراءات للحد من الوفيات المرتبطة بموجات الحر، من أهمها:
شرب المياه بانتظام، وارتداء الملابس الخفيفة والفضفاضة، والاستحمام بالماء البارد، ومتابعة الفئات الأكثر عرضة للخطر، خاصة كبار السن، ومرضى القلب والرئة والكلى، والأشخاص ذوي الإعاقة، والأفراد الذين يعيشون بمفردهم، مع عدم ترك الأطفال أو الحيوانات داخل السيارات المغلقة تحت أي ظرف".
موجات الحر أصبحت من أكثر أخطار المناخ تأثيرًا على صحة الإنسان، ولا تعتمد خطورتها على درجة الحرارة وحدها.
العوامل الصحية والاجتماعية والعمرية، وطبيعة المباني، والرطوبة، ودرجات الحرارة الليلية، واستعداد المدن، كلها تحدد حجم الخطر؛ لذلك قد تتسبب موجة حر في أوروبا في آلاف الوفيات رغم أن درجات الحرارة قد تكون أقل من تلك التي تشهدها بعض المناطق في مصر.
أما ظاهرة "حاجز أوميجا"، فهي نمط جوي طبيعي يؤدي إلى احتجاز الهواء الساخن فوق منطقة معينة، فيطيل مدة موجات الحر ويزيد آثارها، لكنه ليس السبب المباشر للاحترار العالمي. وتشير الأدلة العلمية إلى أن تغير المناخ يزيد من احتمال حدوث موجات الحر الشديدة ويضاعف آثارها عندما تتزامن مع أنماط جوية مثل "حاجز أوميغا"، وهو ما يجعل أنظمة الإنذار المبكر وإجراءات التكيف أكثر أهمية من أي وقت مضى.
Marian Samy (مدققة معلومات)
صحفية مستقلة مهتمة بالملف القبطي وحقوق الأقليات وقضايا المجتمع، عملت في عدد من المؤسسات الصحفية أ...
صحفية مستقلة مهتمة بالملف القبطي وحقوق الأقليات وقضايا المجتمع، عملت في عدد من المؤسسات الصحفية أبرزها دار الهلال، مجلة صباح الخير، رصيف22، المنصة، فكر تاني، وحصلت على الماجستير في الإعلام تخصص الصحافة من كلية الإعلام جامعة القاهرة وموضوع رسالتها عن تأثير ملكية المواقع الصحفية على مضمونها التحريري دراسة تحليلية مقارنة على عينة من المواقع وهي الأهرام، الدستور، المنصة، مدى مصر.
يتيح فريق أخبار ميتر المساحة المناسبة لرد الأشخاص المعنيين والجمهور على المعلومات الواردة في عملية تقصي الحقائق بتصحيحها بشفافية كاملة. يمكن التواصل معنا عبر بريد الموقع الإلكتروني [email protected]. كما يتكفل الفريق بإجراء التصحيحات اللازمة حال التأكد من صحة المعلومات وقبولها في أسرع وقت ممكن. قدم من هنا