قفزات الذهب في مصر خلال 5 سنوات: أرقام الصعود وأسبابه الحقيقية

قفزات الذهب في مصر خلال 5 سنوات: أرقام الصعود وأسبابه الحقيقية

قراءة رقمية لصعود الذهب بين التضخم وتعويم الجنيه

تم النشر بتاريخ : 22/01/2026  تم التحديث بتاريخ: 22/01/2026 12:01:41  تصنيف: ورقة حقائق 
  • تاريخ الذهب وتحولاته
  • احتياطي الذهب في العالم
  • الذهب في مصر
  • تطور أسعار الذهب خلال 5 سنوات
  • العوامل المؤثرة في ارتفاع أسعار الذهب
  • تأثير التضخم وارتفاع الأسعار

شهد الذهب خلال السنوات الخمس الأخيرة قفزات سعرية غير مسبوقة، سواء على المستوى العالمي أو في السوق المصري. هذا الصعود لم يكن نتاج عامل واحد، بل نتيجة تداخل عوامل تاريخية واقتصادية ونقدية، من التحولات في النظام النقدي العالمي، إلى التضخم العالمي، وصولًا إلى تعويم الجنيه وارتفاع سعر الدولار. تستعرض هذه الورقة تطور أسعار الذهب وأسباب ارتفاعه، وتفسّر دلالات هذا الصعود على الاقتصاد والادخار في مصر.

الذهب: تاريخ من التحولات

كان الذهب لفترة طويلة حجر الأساس للنظام النقدي العالمي، حيث تم ارتبطت قيمة العملات بكمية محددة منه. وبعد الحرب العالمية الثانية، أُنشئ نظام بريتون وودز عام 1944، الذي ربط الدولار بالذهب بسعر 35 دولارًا للأونصة، وربط العملات الأخرى بالدولار.

انتهى هذا النظام عام 1971 عندما قررت الولايات المتحدة إنهاء ارتباط الدولار بالذهب، ما أنهى عمليًا قاعدة الذهب، وحوّل الذهب من أداة نقدية إلى أصل استثماري وملاذ آمن في أوقات الأزمات. (1-2)

عند الإشارة إلى مصطلح قاعدة الذهب،  يُقصد به عادة فترتان تاريخيتان رئيسيتان: الأولى هي فترة قاعدة الذهب الكلاسيكية، والثانية هي فترة نظام أسعار الصرف المرتبط بالذهب بعد اتفاقية بريتون وودز. وقد كانت قاعدة الذهب تقوم على ربط قيمة عملات الدول بكمية محددة من الذهب، بحيث يمكن تحويل العملة إلى ذهب بسعر ثابت، دون فرض قيود على استيراد أو تصدير الذهب. وبما أن جميع العملات كانت مرتبطة بالذهب، فقد اتسمت أسعار الصرف بينها بالثبات والاستقرار. (3)

احتياطي الذهب في العالم:

يمثل إنتاج المناجم نحو 75٪ من المعروض السنوي من الذهب، ومع ذلك فإن الطلب السنوي على الذهب يفوق كمية الذهب التي يتم استخراجها حديثًا، ويتم تعويض هذا الفارق من خلال إعادة تدوير الذهب.(4)

يعود تعدين الذهب إلى الحضارات القديمة، وتشير أفضل التقديرات إلى أن نحو 216 ألف طن من الذهب تم استخراجها عبر التاريخ. ومن اللافت أن حوالي ثلثي هذه الكمية تم  قد جرى استخراجها عبر التاريخ. من اللافت أن حوالي ثلثي هذه الكمية تم استخراجها منذ عام 1950 فقط، ويُعزى ذلك إلى التطور الكبير في تقنيات التعدين واكتشاف رواسب جديدة من الذهب. وبوجه عام، شهد إنتاج المناجم ارتفاعًا ملحوظًا منذ عام 2008، رغم أن الاكتشافات الكبرى الجديدة أصبحت نادرة بشكل متزايد.(5)

وتُعد صناعة تعدين الذهب صناعة عالمية، إذ توجد عمليات تعدين في جميع قارات العالم باستثناء القارة القطبية الجنوبية (أنتاركتيكا). وأصبحت مناجم الذهب اليوم أكثر تنوعًا من حيث التوزيع الجغرافي، مقارنةً بما كان عليه الحال قبل نحو أربعة عقود، حين كان معظم ذهب العالم يأتي من جنوب أفريقيا. كما أن تعدين الذهب لا يستجيب بسرعة لتغيرات الأسعار، نظرًا لأن تطوير مشاريع التعدين يستغرق وقتًا طويلًا، إذ قد تمر عقود بين اكتشاف الذهب وبدء إنتاجه فعليًا.

يتوزع إنتاج الذهب بين عدد من الدول بكميات متفاوتة، غير أن الصين تُعد أكبر منتج للذهب في العالم، إذ ساهمت عام 2024 بنحو 10% من الإنتاج العالمي، بواقع 380.2 طن، تليها روسيا بإنتاج بلغ 330 طنًا. (6)

الذهب في مصر

يوجد في مصر  ثلاثة مواقع رئيسية لإنتاج الذهب في الصحراء الشرقية ، وهي: منجم حمش، الذي بدأ الإنتاج عام 2009 وبلغ إنتاجه نحو 60 كيلوجرامًا، ومنطقة وادي العلاقي، ومنجم السكري. وقد تم إنشاء أول مصنع متكامل لإنتاج الذهب والفضة والنحاس في منطقة السكري، حيث بلغ إنتاجه من الذهب خلال شهر يناير عام 2010 حوالي 911 كيلوجرامًا. كما ارتفع احتياطي الذهب في المنجم من 3 ملايين أوقية في مايو عام 2005 إلى 13 مليون أوقية عام 2010، في حين يبلغ احتياطي الذهب في منجم السكري وحده نحو 14 مليون أوقية. 

وقد تم إنتاج 34 طنًا من الذهب، كما تشير التقديرات إلى وجود احتياطيات من الذهب في عدد من مناطق الصحراء الشرقية، من بينها منطقة عنود بنحو 33 ألف طن، ومنطقة البرامية بنحو 280 ألف طن، ومنطقة حنجلية بنحو 500 ألف طن، ومنطقة الصباحية بنحو 83 ألف طن، ومنطقة أم عود بنحو 15.6 ألف طن، ومنطقة أبو مروات بنحو 290 ألف طن.(7)

ووصلت احتياطيات الذهب في مصر إلى 128.82 طن خلال الربع الثالث من عام 2025، ويُعد هذا المستوى هو الأعلى الذي بلغته الاحتياطيات في تاريخ مصر. (8)

تطور أسعار الذهب خلال 5 سنوات

شهدت أسعار الذهب تصاعدًا سريعًا وملحوظًا خلال السنوات الخمس الأخيرة، وتحديدًا  خلال الفترة من عام 2020 إلى عام 2025، متأثرة بالتغيرات العالمية في أسعار الذهب وبالظروف الاقتصادية المحلية. (9)

ففي عام 2020 بلغ سعر جرام الذهب عيار 24 نحو 1047 جنيهًا، قبل أن يشهد انخفاضًا طفيفًا خلال عام 2021 مسجلًا حوالي 984 جنيهًا. ومع بداية عام 2022، عاد الاتجاه الصعودي بقوة، حيث ارتفع السعر إلى نحو 1231 جنيهًا، متأثرًا بارتفاع السعر العالمي للذهب واستمرار الضغوط الاقتصادية.

وفي عام 2023، شهدت الأسعار قفزة كبيرة، إذ وصل سعر جرام الذهب عيار 24 إلى حوالي 2072 جنيهًا، نتيجة تراجع قيمة الجنيه المصري وزيادة الإقبال على الذهب باعتباره ملاذًا آمنًا. أما خلال عام 2024، فقد بلغ الذهب ذروة غير مسبوقة، حيث قفز سعر جرام الذهب عيار 24 إلى نحو 4323 جنيهًا، مدفوعًا بالارتفاع الحاد في السعر العالمي، الذي تجاوز 90 دولارًا للجرام.

وفي الفترة من يناير 2025 وحتى يناير 2026 واصل سعر الذهب مساره الصعودي، إذ ارتفع من نحو 4500 جنيه للجرام الواحد ليصل إلى 7268 جنيهًا، محققًا أعلى مستوى للأسعار خلال هذه الفترة. (10)

 العوامل المؤثرة في ارتفاع أسعار الذهب:

تتأثر أسعار الذهب بعدة عوامل اقتصادية عالمية، يأتي في مقدمتها التضخم وأسعار الفائدة؛ فمع ارتفاع معدلات التضخم وتراجع القوة الشرائية للعملات، يتجه المستثمرون إلى الذهب باعتباره مخزنًا آمنًا للقيمة ووسيلة للتحوط، ما يؤدي إلى زيادة الطلب عليه وارتفاع أسعاره. كما ترتبط أسعار الذهب بعلاقة عكسية مع أسعار الفائدة، إذ يقل الإقبال عليه عند ارتفاع الفائدة لصالح أدوات استثمارية أخرى، بينما يزداد الطلب عليه خلال فترات خفض أسعار الفائدة. كذلك يلعب سعر الدولار الأمريكي دورًا محوريًا في تحديد اتجاهات أسعار الذهب، حيث يؤدي ضعف الدولار إلى ارتفاع أسعار الذهب عالميًا، في حين يفرض ارتفاعه ضغوطًا هبوطية على الأسعار. (11)

إلى جانب ذلك، تؤثر العوامل السياسية والجيوسياسية بشكل مباشر في أسعار الذهب، إذ تؤدي الحروب والنزاعات والتوترات الدولية إلى زيادة مستويات عدم اليقين الاقتصادي، ما يدفع المستثمرين إلى اللجوء إلى الذهب كملاذ آمن. كما يتحكم عامل العرض والطلب في حركة الأسعار، حيث يتأثر المعروض بإنتاج المناجم وشركات التعدين، بينما يأتي الطلب من قطاعات متعددة، مثل المجوهرات والاستثمار، خاصة في أسواق رئيسية كالهند والصين. وعلى المستوى المحلي، تلعب العوامل الاقتصادية الداخلية، مثل سعر صرف الدولار وتعويم العملة، دورًا رئيسيًا في تحديد أسعار الذهب داخل الدولة، إلى جانب تأثير الاستثمارات المؤسسية، مثل صناديق الاستثمار المتداولة، في تعزيز تقلبات الأسعار صعودًا وهبوطًا.

تأثير التضخم وارتفاع الأسعار في مصر

يُعد تحرير سعر الصرف (تعويم الجنيه) من أبرز العوامل التي ارتبطت بارتفاع أسعار الذهب في مصر، إذ أدى تراجع قيمة الجنيه أمام الدولار إلى زيادة تكلفة تسعير الذهب محليًا، ولا سيما مع كونه مُسعَّرًا عالميًا بالدولار الأمريكي. كما ساهم الارتفاع المستمر في سعر الدولار ومعدلات التضخم في زيادة الإقبال على الذهب بوصفه وسيلة للتحوط والحفاظ على القيمة، وهو ما عزّز من وتيرة صعود أسعاره داخل السوق المصري خلال السنوات الأخيرة. وجاءت إجراءات تحرير سعر الصرف ضمن سياسات الإصلاح الاقتصادي التي اتبعتها الحكومة في ظل تحديات شح العملات الأجنبية، واضطرابات الاقتصاد، وتراكم الديون.

وجاءت قرارات التعويم في هذه الفترة على النحو التالي:

التعويم الأول (2016): قرر البنك المركزي تحرير سعر صرف الجنيه بشكل كامل أمام العملات الأجنبية

التعويم الثاني (بداية عام 2022).

التعويم الثالث  (نهاية عام 2022).

التعويم الرابع (عام 2023).

التعويم الخامس (عام 2024). (12-13-14-15-16)

أما سعر الدولار فتغير أيضًا ارتباطًا بهذه العوامل، وكان على النحو التالي:

سجل سعر الدولار أمام الجنيه المصري

بنهاية عام 2020:  15.68جنيهًا.

بنهاية عام 2021: 15.66 جنيهًا.

بنهاية عام 2022: 24.68 جنيهًا. 

بنهاية عام 2023: 30.84 جنيهًا. 

بنهاية عام 2024: 50.78 جنيهًا. 

بنهاية عام 2025: 47.62 جنيهًا. 

في يناير 2026: 47.41 جنيهًا. (17)

عكست بيانات تعويم الجنيه المصري المتتالية منذ عام 2016، وما تبعها من قفزات في سعر صرف الدولار، تحولًا جوهريًا في بنية الاقتصاد المصري، وكان من أبرز انعكاساته الارتفاع الحاد في أسعار الذهب محليًا. فمع كل موجة تعويم، فقد الجنيه جزءًا إضافيًا من قيمته، حيث ارتفع الدولار من نحو 15.6 جنيهًا في عام 2020 إلى أكثر من 50 جنيهًا بنهاية عام 2024، قبل أن يستقر نسبيًا في عام 2025 ويناير 2026. وقد أدى هذا التراجع الحاد في القوة الشرائية للعملة المحلية إلى ارتفاع أسعار السلع المستوردة، ودفع المواطنين إلى البحث عن أدوات تحفظ قيمة مدخراتهم، وكان الذهب في مقدمتها.

وبما أن تسعير الذهب في السوق المحلي يرتبط مباشرة بالسعر العالمي مقومًا بالدولار، فإن أي ارتفاع في سعر الصرف ينعكس تلقائيًا على سعر الذهب بالجنيه، حتى في حال ثبات السعر العالمي. ومن ثم، فإن القفزات المتتالية في أسعار الذهب لا تعكس بالضرورة زيادة حقيقية في قيمته، بقدر ما تعكس تآكل قيمة الجنيه نفسه، ما حول الذهب من سلعة للزينة أو الادخار التقليدي إلى أداة تحوط أساسية لمواجهة التضخم وعدم الاستقرار النقدي.

الخلاصة

الارتفاع الحاد في أسعار الذهب في مصر خلال السنوات الخمس الأخيرة لا يعكس بالضرورة زيادة حقيقية في قيمة الذهب ذاته، بقدر ما يعكس تآكل قيمة الجنيه وارتفاع التضخم وسعر الدولار. ونتيجة لذلك، تحوّل الذهب من أداة ادخار تقليدية إلى وسيلة تحوط أساسية في مواجهة عدم الاستقرار الاقتصادي.

Profile Picture

Marian Samy (مدققة معلومات)

صحفية مستقلة مهتمة بالملف القبطي وحقوق الأقليات وقضايا المجتمع، عملت في عدد من المؤسسات الصحفية أ...

سياسات التصحيح

يتيح فريق أخبار ميتر المساحة المناسبة لرد الأشخاص المعنيين والجمهور على المعلومات الواردة في عملية تقصي الحقائق بتصحيحها بشفافية كاملة. يمكن التواصل معنا عبر بريد الموقع الإلكتروني [email protected]. كما يتكفل الفريق بإجراء التصحيحات اللازمة حال التأكد من صحة المعلومات وقبولها في أسرع وقت ممكن. قدم من هنا

مزيد من المقالات

نشرة أخبار ميتر
للاطلاع على تقييمات المواقع الأكثر شعبية وأبرز الأخبار الكاذبة.
نحن نهتم بحماية بياناتك. اقرأ سياسة الخصوصية