كيف تحوّلت «جرثومة التخلف» إلى عدسة يقرأ بها فيلسوف مصري الأصولية والدين والتنوير في عالم مضطرب
غيب الموت في 7 يناير 2026 المفكر الكبير والفيلسوف المصري مراد وهبة، أحد أبرز رموز التنوير في العالم العربي خلال القرن العشرين وبدايات الحادي والعشرين. اشتبك وهبة فكريًا مع قضايا الأصولية الدينية، والعلمانية، ودور العقل في فهم النصوص، وقدم قراءة فلسفية للواقع السياسي والديني عالميًا، جعلته عرضة للصدام مع السلطة، لكنه ظل حاضرًا بوصفه أحد أكثر الأصوات الفلسفية تأثيرًا في مصر. (1)
من مواليد 13 أكتوبر 1926 بمدينة أسيوط، عمل أستاذًا في الفلسفة بجامعة عين شمس، وعضو بعدة منظمات دولية منها؛ الأكاديمية الإنسانية، والاتحاد الدولي للجمعيات الفلسفية والمجلس الأعلى للثقافة في مصر، ويعتبر مؤسس الجمعية الدولية لابن رشد والتنوير منذ عام 1994. (2)
اختار مراد وهبة دراسة الفلسفة رغم مسار تعليمي متعثر في المرحلة الثانوية، واعتبر نفسه التحق بالكلية "خارج القانون" وفق وصفه. ففي عام 1947 حصل "وهبة" على ليسانس الآداب بقسم الفلسفة من جامعة القاهرة، ثم حصل في 1952 على ماجستير في الفلسفة الحديثة، من الجامعة نفسها. وبعد ذلك بـ 7 سنوات وتحديدًا في عام 1959 حصل على درجة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة الإسكندرية. (3)
فُصل عام 1980 بقرار في عهد الرئيس الأسبق محمد أنور السادات، واعتُبر "خطرًا فكريًا على النظام". عاد للتدريس بقرار جمهوري في عهد الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك. في عام 1998 توقف عن تدريس المرحلة الجامعية بعد اعتبار أفكاره "تهديدًا للأمن القومي"، واكتفى بتدريس طلاب الدراسات العليا.(4)
يعُتبر جوهر فلسفة مراد وهبة قائمًا على الدفاع عن العلمانية بوصفها وسيلة لتحرير العقل من سطوة السلطة المطلقة، مع التأكيد على أن التفكير النقدي هو الأداة الأفضل لمواجهة أفكار التطرف. وينطلق هذا التصور من نقد الفكر الأصولي، ورفض الإيمان بوجود حقيقة مطلقة واحدة، والدعوة إلى الإقرار بتعدد التأويلات واختلاف زوايا الفهم، في إطار رؤية أوسع تدعم الحكم الديمقراطي، وتهتم بشكل خاص بالتنمية البشرية، كما كان من المؤمنين بقوة بالتعاون الدولي من أجل التنمية، والحوار بين الأديان، باعتباره مدخلًا أساسيًا للتعايش والتفاهم الإنساني. (5)
يرى مراد وهبة أن ابن رشد هو الفيلسوف المسلم الوحيد الذي أسس لتيار فكري ترك أثرًا مباشرًا في مسارات الإصلاح الديني والتنوير والليبرالية الأوروبية. ويؤكد أن قوة فلسفة ابن رشد تكمن في أنها واجهت الأصولية بالعقل والفكر لا بالقمع والإقصاء، وهو المنهج ذاته الذي تبناه وهبة كمشروع فلسفي معاصر لمواجهة التطرف وبناء وعي نقدي.(6)
اعتبر مراد وهبة الأصولية الدينية العدو الأول للفلسفة، لأنها تقوم على الإيمان المطلق ورفض إعمال العقل في فهم النص الديني. وميزّ بوضوح بين الطقوس الدينية بوصفها ممارسة شخصية حرة، والأصولية العقائدية التي تؤدي إلى تعطيل العقل وإغلاق باب التفكير.(7)،(8)
وصف مراد وهبة عام 1979 بأنه "عام الأصوليات الدينية"، لأنه شهد تزامن صعود تيارات أصولية متعددة حول العالم؛ من أفغانستان مع الغزو السوفيتي ودعم طالبان، إلى الولايات المتحدة بنشأة الحزب الأصولي المسيحي، مرورًا بتصاعد الأصولية في إيران والجزائر، وصولًا إلى المناخ الأصولي الذي أحاط باتفاقية السلام المصرية - الإسرائيلية. وربط وهبة هذا الصعود بين الأصولية الدينية من جهة، وما أسماه "الرأسمالية الطفيلية" وتجارة المخدرات من جهة أخرى. باعتبارها منظومة واحد تغذي التطرف وتعيد إنتاجه. (9)
عاش الدكتور مراد وهبة في قرن شهد تحولات اجتماعية وسياسية عميقة، ورأى أن الجماعات الإسلامية العنيفة مثل داعش أو جبهة النصرة ليست أصل التطرف، بل فروع تعود جذورها الفكرة إلى جماعة الإخوان المسلمين، التي أفرغت تاريخها وفلسفتها العديد من الحركات العنيفة حول العالم. وفي الوقت نفسه، شدد على أن الأصولية لا تقتصر على الإسلام، بل تشمل المسيحية أيضًا، مؤكدًا أن مواجهة الأصولية تتطلب فهم جذورها الفكرية، وتطوير خطاب ديني مرن، مع تعزيز التفكير النقدي والاندماج الاجتماعي والمشاركة السياسية لكل فرد. (10)، (11)
يرى الدكتور مراد وهبة أن التنوير يعني تحرر العقل من كل السلطات، ليصبح سلطان العقل هو المرجع الوحيد. ويشير إلى أن الثورة العلمية والتكنولوجية في القرن العشرين في أوروبا لم تكن ممكنة إلا بعد مرورها بعض الإصلاح الديني والتنوير، وهو ما لم نمر به في مصر والمجتمعات العربية. لذلك، رغم أننا نستفيد من منتجات الثورة العلمية والتكنولوجية، فإننا غالبًا لا نستوعب قيمها الجوهرية، ما يخلق وهم التقدم ويتركنا بعيدين عن مسار الحضارة، ويهيئ المناخ لتكاثر ما يسميه "جرثومة التخلف". (12)
كتب الدكتور مراد وهبة العديد من الكتب والمقالات، من أبرزها: قصة الفلسفة، محاورات فلسفية في موسكو، مفارقة ابن رشد، سلطان العقل، الأصولية وإرهابها، العنف والمقدس، وجرثومة التخلف. (13)
يمثل الدكتور مراد وهبة نموذجًا لفيلسوف اشتبك مع عصره بدون مساومة، وجعل من العقل والتنوير مشروعًا لمواجهة الأصولية. امتد تأثيره عبر قرن كامل من التحولات السياسية والفكرية وظل متمسكًا بمقولة واحدة: " لا وجود لحقيقة واحدة مطلقة أبدًا:.
Topic categories
Marian Samy (مدققة معلومات)
صحفية مستقلة مهتمة بالملف القبطي وحقوق الأقليات وقضايا المجتمع، عملت في عدد من المؤسسات الصحفية أ...
صحفية مستقلة مهتمة بالملف القبطي وحقوق الأقليات وقضايا المجتمع، عملت في عدد من المؤسسات الصحفية أبرزها دار الهلال، مجلة صباح الخير، رصيف22، المنصة، فكر تاني، وحصلت على الماجستير في الإعلام تخصص الصحافة من كلية الإعلام جامعة القاهرة وموضوع رسالتها عن تأثير ملكية المواقع الصحفية على مضمونها التحريري دراسة تحليلية مقارنة على عينة من المواقع وهي الأهرام، الدستور، المنصة، مدى مصر.
The Akhbarmeter team provides a space for stakeholders and the public to respond to information contained in the fact-checking process and correct it with complete transparency. You can contact us via our email at [email protected]. The team will also undertake to make the necessary corrections as soon as possible once the information is confirmed and accepted. Apply here
Do you have a correction or missing information you would like to add? 📱 Contact us
Topics that are related to this one