موارد استراتيجية وحكم ذاتي يضعان الجزيرة في قلب تنافس دولي
تتناول هذه الورقة واقع جزيرة جرينلاند من حيث تاريخها السياسي، ووضعها الدستوري، وأهميتها الاقتصادية والاستراتيجية، في ظل تصاعد الجدل حول الطموحات الأمريكية والتنافس الدولي في القطب الشمالي، مع عرض موقف جرينلاند والدنمارك من هذه التطورات.
أعادت التصريحات الأمريكية الأخيرة بشأن جزيرة جرينلاند الجدل حول وضعها السياسي وأهميتها الاستراتيجية، في ظل تنافس دولي متصاعد على منطقة القطب الشمالي. فالجزيرة، التي تتبع مملكة الدنمارك بحكم ذاتي واسع، تمتلك موارد طبيعية واعدة وموقعًا جغرافيًا بالغ الحساسية. ومع تزايد آثار التغير المناخي وفتح مسارات بحرية جديدة، أصبحت جرينلاند نقطة تقاطع للمصالح الأمريكية والصينية والروسية، ما يثير تساؤلات حول مستقبلها وحدود السيادة فيها (1-2-3).
تقع جزيرة جرينلاند شمال أمريكا الشمالية، بين المحيط المتجمد الشمالي والمحيط الأطلسي الشمالي، شمال شرق كندا. ويعود الوجود البشري فيها إلى نحو خمسة آلاف عام، حيث سكنتها شعوب قطبية قبل أن تشهد لاحقًا موجات اتصال واستيطان أوروبي. وعلى الرغم من موقعها الجغرافي في أمريكا الشمالية، ارتبط تاريخ الجزيرة سياسيًا بأوروبا، وتحديدًا بمملكة الدنمارك، التي أصبحت جرينلاند جزءًا من مملكتها عبر مسار تاريخي طويل. (4)
ومع تطور الحركات السياسية المحلية، حصلت جرينلاند تدريجيًا على صلاحيات حكم ذاتي موسعة، تُوّجت بإقرار نظام الحكم الذاتي الواسع عام 2009، الذي منحها إدارة شؤونها الداخلية، مع بقاء ملفات السيادة الأساسية، مثل السياسة الخارجية والدفاع، ضمن اختصاص الدولة الدنماركية. ويشكل قانون الحكم الذاتي، إلى جانب الدستور الدنماركي، الإطار الدستوري المنظم لوضع الجزيرة، كما يتم انتخاب عضوين يمثلان جرينلاند في البرلمان الدنماركي وفقًا للدستور. (5)
يبلغ عدد سكان جرينلاند نحو 55,745 نسمة، يتركز قرابة ثلثهم في العاصمة نوك، ويتحدث معظمهم اللغة الجرينلاندية مع استخدام محدود للغة الدنماركية. (6-7)
جغرافيًا، تُعد جرينلاند أكبر جزيرة في العالم، وتغطي الصفائح الجليدية والأنهار المتجمدة نحو 80% من مساحتها، ما يجعل الأراضي الصالحة للزراعة محدودة للغاية. ويتمتع مناخها بطابع قطبي قاسٍ، حيث تنخفض درجات الحرارة شتاءً إلى ما دون 50 درجة مئوية تحت الصفر، بينما لا تتجاوز صيفًا في الغالب 10 إلى 15 درجة مئوية، مع تباينات مناخية واضحة بين مناطق الجزيرة المختلفة.(8)
يعتمد اقتصاد جرينلاند بدرجة كبير على الصيد البحري الذي يمثل نحو 90% من صادراتها، إلى جانب السياحة والدعم المالي السنوي من الدنمارك، الذي يغطي جزءًا مهمًا من ميزانية الحكومة. ويعكس ذلك محدودية الاقتصاد المحلي، إذ بلغ الناتج المحلي الإجمالي في عام 2023 نحو 3.33 مليار دولار، مع معدل نمو بلغ 0.9% مقارنة بعام 2022، ورغم صغر حجم الاقتصاد، فإن نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي مرتفع نسبيًا، حيث بلغ حوالي 58,499 دولارًا، بزيادة قدرها 5.1% عن العام السابق. (9-10)
تعد الثروات الطبيعية غير المستغلة العامل الأبرز في جذب الاهتمام الدولي، إذ تحتوي أراضي جرينلاند والبحار المحيطة بها على احتياطيات من المعادن الحيوية مثل الجرافيت والليثيوم والعناصر الأرضية النادرة، إضافة إلى النفط. وتُعد هذه الموارد أساسية للصناعات الحديثة، بما في ذلك الطاقة المتجددة والبطاريات والتكنولوجيا المتقدمة. ومع تزايد اهتمام المستثمرين الدوليين، منحت الحكومة أولوية لتطوير هذا القطاع، الذي يُتوقع أن يغيّر البنية الاقتصادية للبلاد على المدى الطويل. كما يسهم ذوبان الجليد بفعل التغير المناخي في فتح فرص جديدة للوصول إلى الموارد ومسارات بحرية أقصر، ما يعزز الأهمية الاستراتيجية للجزيرة في سلاسل التوريد العالمية المستقبلية. (11)
يمنح موقع جرينلاند في القطب الشمالي أهمية استراتيجية بالغة، إذ تطل على طرق بحرية محتملة قد تقلص مسافات الشحن بين القارات مع استمرار ذوبان الجليد، ما قد يقلل الاعتماد على ممرات تقليدية مثل قناتي السويس وبنما. كما تستضيف الجزيرة قاعدة عسكرية أمريكية تُستخدم لأغراض المراقبة والإنذار المبكر من الصواريخ، ومتابعة التحركات البحرية في شمال الأطلسي والمحيط المتجمد، ما يجعلها محورًا رئيسيًا في حسابات الأمن الدولي.(12)
تُعد الصين طرفًا فاعلًا متزايد الأهمية في شؤون القطب الشمالي، حيث تصنف نفسها ضمن "الدول القريبة من القطب الشمالي"، نظرًا لتأثرها المباشر بالتغيرات المناخية والبيئية في المنطقة، وما يترتب على ذلك من انعكاسات على الزراعة والغابات ومصايد الأسماك والصناعات البحرية. وقد انعكس هذا الاهتمام بشكل خاص على جزيرة جرينلاند.
في عام 2018، أصدرت الصين ورقة بيضاء بيضاء حددت استراتيجيتها في القطب الشمالي، وفي عقد 2010 سعت جرينلاند إلى جذب شركات تعدين صينية للاستثمار في مواردها، إلا أن هذه المشروعات تعثرت لاحقًا. كما لعب الضغط الأمريكي دورًا في إفشال عطاءات صينية لبناء مطارات جديدة، أو تحويل قاعدة بحرية دنماركية مهجورة إلى محطة أبحاث. ورغم إعلان جرينلاند انفتاحها على التعاون الدولي، لم تجدد الصين محاولاتها، وتركز وجودها القطبي حاليًا بشكل أساسي في روسيا.
ووفقًا للورقة البيضاء، تسعى الصين إلى تعزيز حضورها في القطب الشمالي عبر البحث العلمي، وحماية البيئة، والمشاركة في حوكمة المنطقة، مع الاهتمام باستغلال الموارد وفتح مسارات شحن جديدة، بما يخدم التنمية المستدامة والمصالح المشتركة (13)
طرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فكرة شراء جزيرة جرينلاند عام 2019، واصفًا إياها بأنها "صفقة عقارية ضخمة" ذات أبعاد استراتيجية، رغم تأكيده آنذاك أنها ليست على رأس أولوياته. وقوبل الطرح برفض قاطع من رئيسة الوزراء الدنماركية ميتّه فريدريكسن، التي أكدت أن "جرينلاند ليست للبيع"، ووصفت الفكرة بـ"السخيفة".(14-15)
ومع تصاعد التنافس الدولي، تجددت التصريحات الأمريكية بشأن السيطرة على الجزيرة، حيث قال ترامب: "إذا لم نسيطر على جرينلاند، فستفعل روسيا أو الصين ذلك… بطريقة أو بأخرى سنحصل على جرينلاند". وفي مقابلة مع BBC، أشار إلى أن الولايات المتحدة يجب أن "تدافع عن الملكية"، مضيفًا أن الأمر قد يتم "بالطريقة السهلة أو بالطريقة الصعبة" (16-17)
رفضت جرينلاند والدنمارك التصريحات الأمريكية بشكل قاطع، حيث أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية أن القضية تتعلق بمبدأ عدم تغيير الحدود بالقوة، ورفض "شراء شعب آخر"، مشددة على أن جرينلاند ليست للبيع، مع الترحيب بالحوار والتعاون في القضايا الأمنية دون المساس بالسيادة. وأكدت أن سكان جرينلاند هم الأكثر شعورًا بعدم الأمان في ظل هذه التصريحات.
من جانبه، قال وزير الصناعة والموارد المعدنية في جرينلاند، ينس فريدريك نيلسن، إن الجزيرة "لن تملكها الولايات المتحدة، ولن تحكمها، ولن تكون جزءًا منها"، مؤكدًا أنه في حال الاضطرار للاختيار، فإن جرينلاند تختار الدنمارك، وحلف الناتو، والاتحاد الأوروبي (18).
جرينلاند أكبر جزر العالم، تتمتع بحكم ذاتي واسع منذ عام 2009، وتمتلك موارد طبيعية وموقعًا استراتيجيًا يجعلها محورًا لتنافس دولي متصاعد. وبين الطموحات الأمريكية، والحضور الصيني غير المباشر، والدور الروسي في القطب الشمالي، يبقى مستقبل الجزيرة مرتبطًا بتوازنات جيوسياسية معقدة، في ظل تأكيد متكرر من حكومتها على رفض أي مساس بسيادتها أو فرض واقع بالقوة.
Topic categories
Marian Samy (مدققة معلومات)
صحفية مستقلة مهتمة بالملف القبطي وحقوق الأقليات وقضايا المجتمع، عملت في عدد من المؤسسات الصحفية أ...
صحفية مستقلة مهتمة بالملف القبطي وحقوق الأقليات وقضايا المجتمع، عملت في عدد من المؤسسات الصحفية أبرزها دار الهلال، مجلة صباح الخير، رصيف22، المنصة، فكر تاني، وحصلت على الماجستير في الإعلام تخصص الصحافة من كلية الإعلام جامعة القاهرة وموضوع رسالتها عن تأثير ملكية المواقع الصحفية على مضمونها التحريري دراسة تحليلية مقارنة على عينة من المواقع وهي الأهرام، الدستور، المنصة، مدى مصر.
The Akhbarmeter team provides a space for stakeholders and the public to respond to information contained in the fact-checking process and correct it with complete transparency. You can contact us via our email at [email protected]. The team will also undertake to make the necessary corrections as soon as possible once the information is confirmed and accepted. Apply here
Do you have a correction or missing information you would like to add? 📱 Contact us
Topics that are related to this one