من مرض مزمن معقّد إلى مسار علاجي طويل
ورقة تفسيرية ترصد الحجم الحقيقي لأزمة الإدمان، وتشرح أبعادها الصحية والاجتماعية، وجهود مصر في المواجهة، من العلاج إلى إعادة الدمج المجتمعي، مع التركيز على أن التعافي مسار طويل يتطلب دعمًا مستمرًا.
لم يعد الإدمان يُنظر إليه بوصفه ضعفًا أخلاقيًا أو سلوكًا منحرفًا، بل كمرض صحي مزمن تتداخل فيه العوامل النفسية والاجتماعية والبيولوجية. وتأتي هذه الورقة التفسيرية لتفكيك مفهوم الإدمان، وشرح أسبابه، واستعراض حجمه عالميًا ومحليًا، مع الإجابة العلمية عن سؤال جوهري: هل يمكن التعافي من الإدمان؟ كما تسلط الضوء على التجربة المصرية في العلاج وإعادة دمج المتعافين، وأسباب الانتكاسة وسبل الحد منها.
الإدمان هو اعتماد جسدي ونفسي على مادة أو سلوك مُخدِّر، يصل إلى درجة فقدان القدرة على التوقف رغم الأضرار الصحية والاجتماعية والنفسية المصاحبة. ويُصنَّف الإدمان كمرض مزمن يتطلب تدخلًا طبيًا ونفسيًا متخصصًا، وليس مجرد قرار إرادي بالتوقف.(1)
تغيير كيمياء الدماغ: الإدمان يسبب خلل في مخ الإنسان، ويتسبب في لامبالاة تجاه العواقب في مقابل الحصول على ما يشتهيه جسده. ويتسبب الإدمان في تقييد الشخص ووضعه في دائرة من العزلة. ومعرفة الطريقة الصحيحة للتعامل مع مريض الإدمان هي حجر الأساس في نجاح علاج مدمن المخدرات وحمايته من الانتكاس. (8)
الحاجة للدعم النفسي: هناك عدد من الأسباب التي تدفع الأفراد للإدمان، منها التجارب المؤلمة والمشاكل النفسية، من المهم العمل على علاج هذه المشاكل للحفاظ على التعافي حتى بعد الخروج من المؤسسة العلاجية. (9)
الحاجة للدعم المجتمعي: التغلب على الإدمان ليس معركة فردية، بل يتطلب نظام دعم قوي لضمان قدرتهم على التعافي. يمكن أن يأتي هذا الدعم من المرشدين النفسيين، والأقران، والأصدقاء خارج مركز إعادة التأهيل، وأفراد الأسرة، وذلك لتفادي الانتكاس والعودة للمخدرات مرة أخرى.
الانتكاسة هي السبب الرئيسي وراء الحاجة للتعامل مع مرضى إدمان المخدرات بشكل حذر. والانتكاسة هي عودة الشخص إلى تعاطي المخدرات أو الكحول بعد فترة من الامتناع.
يواجه العديد من المتعافين من الإدمان خطرًا مرتفعًا باستمرار للانتكاس، لأن تعاطي المواد المخدرة المزمن قد يؤدي إلى تغييرات هيكلية ووظيفية معينة في الدماغ تستمر لفترة طويلة بعد فترة الامتناع الأولى. (10)
- التعرض للمحفزات: تشمل تلميحات اجتماعية، رؤية أصدقاء قدامى أو تجار أو بيئية مثل أماكن، روائح، أو أدوات مرتبطة بالتعاطي، مما يولد رغبة شديدة في العودة.
- الإجهاد والضغوط النفسية: المستويات العالية من التوتر مع ضعف مهارات التأقلم، خاصة الناتجة عن مشاكل العمل أو الزواج، تدفع الشخص للبحث عن الراحة في المواد المخدرة.
- المشاكل مع الآخرين: النزاعات مع العائلة والأصدقاء تسبب مشاعر سلبية مثل الغضب، الإحباط. وتشير الدراسات إلى أن الصراعات الشخصية مسؤولة عن أكثر من 50% من حالات الانتكاس.
- ضغط الأقران: وجود الشخص حول أفراد يتعاطون يولد رغبة قوية لديه، سواء بضغط مباشر منهم أو بمجرد التواجد في محيطهم.
- نقص الدعم الاجتماعي: غياب نظام دعم إيجابي يجعل من الصعب على الشخص التعامل مع تحديات الحياة دون اللجوء للمخدرات.
- الألم الجسدي: الإصابات أو الحوادث التي تتطلب مسكنات قوية مثل الأفيونات تشكل خطراً كبيراً على من لديهم تاريخ مع الإدمان، لصعوبة التحكم في استخدامها.
- ضعف الثقة بالذات: الأشخاص الذين يفتقرون للثقة في قدرتهم على البقاء "متعافين" هم أكثر عرضة للانتكاس مقارنة بمن لديهم إيمان بقدرتهم على السيطرة.
- المشاعر الإيجابية والاحتفالات: على عكس المتوقع، قد تسبب السعادة المفرطة أو الاحتفالات (كأعياد الميلاد) انتكاسة، حيث يرغب الشخص في "تعزيز" شعوره الجميل بالتعاطي، أو لارتباط هذه المناسبات ذهنياً بالكحول.
يمكن تفادي الانتكاسة عن طريق الالتزام باستراتيجية قوية: (11)
- بناء شبكة دعم قوية: المحيط الداعم أهل، أصدقاء، معالجون، ضروري لتوفير التشجيع.
- حضور مجموعات الدعم: يساعد في تبادل الخبرات والبقاء على اتصال بأهداف التعافي.
- اليقظة الذهنية والتأمل: تساعد في زيادة الوعي بالمشاعر قبل أن تؤدي للتعاطي.
- التمارين الرياضية: وسيلة صحية لتخفيف التوتر وتحسين الحالة المزاجية عبر إفراز "الإندورفين".
- التنفس العميق: تقنيات مثل (4-7-8) تساعد في تهدئة العقل وتقليل القلق فوراً.
- تدوين المذكرات: تساعد الكتابة في تفريغ المشاعر ومعالجة التجارب بوضوح.
- وضع روتين يومي منظم: يساعد الجدول الزمني في خلق الاستقرار وتقليل وقت الفراغ الذي قد يؤدي للتفكير في التعاطي.
- يشمل الروتين: العمل، الهوايات، والعناية الذاتية لبناء عادات إيجابية جديدة.
- تجنب المواقف عالية المخاطر: الابتعاد عن الأماكن أو الأشخاص المرتبطين بالتعاطي السابق.
- طلب المساعدة المهنية: الاستعانة بمستشاري علاج الإدمان يوفر استراتيجيات مخصصة لكل فرد.
- اعتبار الانتكاسة "فرصة للتعلم": في حال حدوث انتكاسة، يجب عدم اعتبارها فشلاً نهائياً. بل العكس تقبلها والتعلم منها.
تتعدد العوامل التي تقود إلى الإدمان، من أبرزها:
التأثير الكيميائي للمواد المخدرة: مثل المخدرات والكحول والنيكوتين؛ إذ تُحدث هذه المواد تغييرات في وظائف المخ والشعور الجسدي والعقلي.
السعي وراء النشوة: لما تخلقه المواد من مشاعر مؤقتة بالمتعة تدفع لتكرار الاستخدام.
الهروب من أعراض الانسحاب: حيث يسبب غياب المادة أعراضًا جسدية ونفسية مؤلمة، ما يرسّخ دائرة التعاطي المستمرة.
ولا يمكن فهم خطورة الإدمان بوصفه مرضًا فرديًا فقط، دون النظر إلى حجمه على المستوى العالمي.
وفقًا لأحدث إحصائية أصدرتها الأمم المتحدة في عام 2023:
استخدم نحو 316 مليون شخص المخدرات غير المشروعة عالميًا. (2)
من بينهم 244 مليون مستخدم للحشيش، و14 مليون متعاطٍ بالحقن.
يعاني 64 مليون شخص حول العالم من اضطرابات ناتجة عن تعاطي المخدرات.
يتسبب التعاطي في 600 ألف وفاة سنويًا حول العالم (3).
تشير بيانات مجلس الوزراء إلى تراجع نسبة الإدمان في مصر إلى 2.3% عام 2025 مقارنة بـ 3.4% عام 2014، بما يعادل نحو 2.7 مليون شخص تحت تأثير الإدمان. (4)
رغم اتساع فجوة العلاج عالميًا، تؤكد الأدلة الطبية أن التعافي من الإدمان ممكن، لكنه مسار طويل ومشروط. إذ تتلقى امرأة واحدة فقط من كل 18 علاجًا من الإدمان عالميًا، مقابل رجل واحد من كل 7، بينما يحصل 30% فقط من الشباب تحت 25 عامًا في أفريقيا على العلاج.
ووفق وزارة الصحة المصرية، لا يقتصر التعافي على التوقف المؤقت عن التعاطي، بل يتطلب رعاية طويلة الأمد تهدف إلى تمكين الشخص من حياة مستقرة ومنتجة. (5)
أساليب العلاج ومبادئه
تشمل مسارات العلاج:
- الاستشارات السلوكية لتعديل السلوكيات.
- الأدوية لإدارة أعراض الانسحاب وتقليل الرغبة.
- إزالة السموم كمرحلة أولى فقط.
- التطبيقات والأجهزة الطبية للتدريب على المهارات أو تخفيف أعراض الانسحاب.
- علاج الاضطرابات النفسية المصاحبة مثل الاكتئاب والقلق.
توضح الأمانة العامة للصحة النفسية وعلاج الإدمان أنه يجب أن تُشكل المبادئ الأساسية التالية أساس أي برنامج للعلاج الفعال:
- الفردية في العلاج: لا يوجد علاج واحد يناسب الجميع؛ يجب تصميم برنامج خاص لكل حالة.
- الشمولية: يجب أن يلبي العلاج كافة احتياجات المريض (الطبية، النفسية، والاجتماعية) وليس فقط مشكلة التعاطي.
- الاستمرارية: البقاء في العلاج لفترة كافية أمر بالغ الأهمية للنجاح.
- المراقبة والتقييم: يجب مراجعة خطط العلاج وتعديلها باستمرار وتكرار اختبارات الأمراض المعدية (مثل فيروس نقص المناعة والتهاب الكبد).
الأمانة العامة للصحة النفسية وعلاج الإدمان، أنه إذا كان المريض غير مستعد للتوقف التام، يتم اتباع نهج "الحد من الأضرار":
- العمل مع المريض لتقليل المضاعفات الجسدية والنفسية.
- اتخاذ تدابير وقائية (مثل التوعية ضد القيادة تحت التأثير أو التطعيمات).
- تقليل الضرر الواقع على الأسرة والمجتمع عبر التدخل النفسي المناسب.
- المقابلة التحفيزية: استخدام أسلوب الاستماع التعاطفي بدلاً من المواجهة المباشرة لبناء علاقة ثقة تشجع المريض على التغيير.
- تطوير مهارات الحياة: بناء مهارات صحية تساعد الشخص على مواجهة ضغوط الحياة دون اللجوء للمواد المخدرة.
- خضوع الشخص لبرنامج علاجي شامل: يتضمن إزالة السموم، علاج نفسي، ومتابعة طويلة المدى.
- الدعم الاجتماعي والأسري: مهم جداً لضمان عدم العودة للتعاطي.
رصدت الأمانة العامة للصحة النفسية وعلاج الإدمان، 4 أخطاء شائعة يجب الانتباه إليها خلال رحلة التعافي من اضطراب الإدمان:
❌خطأ: الحشيش مش إدمان .
✅الصواب: الحشيش إدمان و له اعراض انسحاب جسمانية ونفسية.
❌خطأ: التبطيل للرجالة
✅الصواب: التبطيل عملية علاجية وأساسها الالتزام.
❌خطأ: الترامادول يزود الطاقة والنشاط.
✅الصواب: الترامادول يزيد الخمول والضعف مع الوقت.
❌خطأ: الإدمان هو إدمان مخدارت فقط
✅الصواب: الإدمان هو اضطراب سلوكي نهايته تعاطي المخدرات.
ارتفع عدد مراكز علاج الإدمان من 12 مركزًا في 7 محافظات إلى أكثر من 34 مركزًا في 19 محافظة، مع تقديم العلاج المجاني وزيادة المترددين بنسبة 79.3%. (6)
انخفض تعاطي المخدرات إلى 5.5% مقارنة بـ 10.2% في 2014، كما انخفض تعاطي بين موظفي الجهاز الإداري إلى 1% من 8% عام 2019، وسائقي الحافلات المدرسية إلى 0.5% من 12% عام 2017.
دشّنت الدولة الخط الساخن 16023 للدعم النفسي المجاني والسري.
أطلقت الدولة عدد من الحملات التوعوية والوقائية، بالإضافة إلى وجود نشاط مجتمع في 911 قرية يشمل 45 ألف أسرة.
يوفر صندوق مكافحة الإدمان فرص عمل وقروضًا صغيرة للمتعافين بالتعاون مع بنك ناصر، لدعم إعادة الدمج وتقليل الانتكاسة (7).
وذكر مدحت وهبه، المتحدث الرسمي باسم صندوق مكافحة الإدمان، في تصريحات إعلامية سابقة، أن علاقة المريض بمراكز العلاج والتعافي من الإدمان لا تنتهي بعد علاجه، بل تحرص على تمكينه اقتصاديًا وإعادة دمجه بالمجتمع. (7)
حيث يوفر صندوق مكافحة الإدمان فرص عمل كما يقدم قروض بالتعاون مع بنك ناصر، بهدف توفير التمويل اللازم لتنفيذ المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر للمتعافين من مرض الإدمان بغرض تحقيق الدمج المجتمعي لهم، وذلك لتقليل فرص الإنتكاسة مرة أخرى.
الإدمان مشكلة صحية معقدة تؤثر على الفرد والأسرة والمجتمع، ولحسن الحظ التعافي منها ممكن لكن يحتاج إلى علاج شامل ودعم طويل الأمد. وعلى الرغم من وجود فجوة بين أعداد متعاطي المخدرات وخدمات العلاج حول العالم، ولكن هناك جهود حقيقية لسد هذه الفجوة، خصوصًا في مصر التي تقدم برامج إعادة الدمج في المجتمع ومحاولة حماية المتعافين من الانتكاس.
تصنيفات الموضوعات
Nada Muhmd (مدققة معلومات)
حاصلة على درجة البكالوريوس في الاتصال الجماهيري من جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا. صحفية متخصصة في...
حاصلة على درجة البكالوريوس في الاتصال الجماهيري من جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا. صحفية متخصصة في كتابة القصص ولديها خبرة في كل من وسائل الإعلام المطبوعة والإلكترونية، وفي تطوير المقالات والتحقيق في القضايا. والاستفادة من وسائل التواصل الاجتماعي لزيادة المشاركة والاستجابة للأخبار العاجلة، مع خلفية قوية في التحقق من المعلومات. عملت كصحفية في جريدة المصري اليوم منذ نوفمبر 2021، وغطت مجموعة من الموضوعات والأحداث. تعمل حاليًا كمدققة للمعلومات في قسم التحقق بأخبارميتر منذ أكتوبر 2023، لضمان دقة المعلومات واكتشاف المعلومات المضللة.
يتيح فريق أخبار ميتر المساحة المناسبة لرد الأشخاص المعنيين والجمهور على المعلومات الواردة في عملية تقصي الحقائق بتصحيحها بشفافية كاملة. يمكن التواصل معنا عبر بريد الموقع الإلكتروني [email protected]. كما يتكفل الفريق بإجراء التصحيحات اللازمة حال التأكد من صحة المعلومات وقبولها في أسرع وقت ممكن. قدم من هنا