انتخابات متنازع على شرعيتها ولوائح اتهام قادت الرئيس الفنزويلي إلى المحاكمة
في 5 يناير 2026، مثُل الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو أمام محكمة فيدرالية في المنطقة الجنوبية من ولاية نيويورك، على خلفية اتهامات تتعلق بـ«الإرهاب المرتبط بالمخدرات» وتهديد الأمن القومي للولايات المتحدة، وذلك بعد عملية عسكرية أمريكية نُفذت داخل العاصمة الفنزويلية كاراكاس، أسفرت عن اعتقاله ونقله جوًا إلى الولايات المتحدة.
أثارت هذه الخطوة ردود فعل واسعة وجدلاً قانونيًا وسياسيًا، تمحور حول مشروعيتها في إطار القانون الدولي، وحدود الولاية القضائية الأمريكية، إضافة إلى تداعياتها على مستقبل السلطة السياسية في فنزويلا. فما الذي قاد إلى هذا المشهد غير المسبوق؟
في 3 يناير 2026 أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تنفيذ ضربة عسكرية واسعة النطاق ضد فنزويلا، مؤكّدًا أن القوات الأمريكية ألقت القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته، ونقلتهما جوًا إلى ولاية نيويورك.
وُلد نيكولاس مادورو في كاراكاس عام 1962. بدأ مسيرته المهنية سائقًا في مترو العاصمة الفنزويلية، ثم تدرّج ليصبح عضوًا في مجلس إدارته وقائدًا نقابيًا. (1)
انضم مادورو مبكرًا إلى الحركة الثورية البوليفارية، وبرز اسمه كأحد الناشطين المطالبين بالإفراج عن هوجو تشافيز بعد سجنه على خلفية مشاركته في محاولة انقلاب عسكري عام 1992.
لاحقًا، وبعد وصول تشافيز إلى الحكم، عُيّن مادورو نائبًا للرئيس، ثم كُلّف في 8 مارس 2013، بموجب تفويض دستوري، بتولي رئاسة البلاد بالإنابة عقب وفاة تشافيز.
وفي 14 أبريل 2013، انتُخب مادورو رئيسًا لجمهورية فنزويلا البوليفارية، ليصبح أول رئيس ينتمي إلى التيار التشافيزي ومن خلفية عمالية في تاريخ فنزويلا الحديث. وقبل توليه الرئاسة، شغل منصب وزير الخارجية، وارتبط اسمه بالتيار البوليفاري اليساري وبصراع سياسي حاد مع المعارضة الداخلية والولايات المتحدة.
في أواخر يونيو 2024، وقبيل الانتخابات الرئاسية الفنزويلية، وصل فريق مكوّن من أربعة خبراء انتخابيين إلى فنزويلا، بدعوة من المجلس الوطني للانتخابات، لمتابعة الانتخابات التي أُجريت في 28 يوليو 2024.
أوضح فريق المتابعة التابع للأمم المتحدة؛ أن المنافسة انحصرت بين الرئيس نيكولاس مادورو ومرشح المعارضة عن حزب "المنصة الديمقراطية الموحدة"، إدموندو جونزاليس أوروتيا. وبلغت نسبة المشاركة 59.97% من إجمالي الناخبين المسجلين، في انتخابات أُجريت عبر نظام تصويت إلكتروني بالكامل.
وبحسب التقرير، عمل نظام نقل النتائج الإلكترونية بشكل طبيعي في الساعات الأولى، قبل أن يتوقف فجأة بعد إغلاق مراكز الاقتراع، دون تقديم تفسير واضح من المرشحين أو اللجنة الانتخابية.
وعند إعلان النتائج الأولية، صرّح رئيس المجلس الوطني للانتخابات بتعرض النظام لهجوم إلكتروني «إرهابي»، تسبب في تأخير فرز الأصوات. وفي 29 يوليو 2024، أعلن شفهيًا فوز مادورو بحصوله على 5,150,092 صوتًا (51.2%)، مقابل 4,445,978 صوتًا (44.2%) لجونزاليس، استنادًا إلى نتائج 80% من مراكز الاقتراع.
وفي 2 أغسطس 2024، أكد المجلس فوز مادورو بحصوله على 6,408,844 أصوات (51.95%)، مقابل 5,326,104 أصوات (43.18%) لجونزاليس، استنادًا إلى ما وصفه بـ96.97% من النتائج، دون نشر أي رسوم بيانية أو بيانات تفصيلية.
ولم ينشر المجلس الوطني للانتخابات، حتى تاريخ كتابة هذا التقرير، النتائج التفصيلية حسب مراكز الاقتراع، خلافًا لما ينص عليه الإطار القانوني المنظّم للعملية الانتخابية.
وأفادت لجنة تابعة للأمم المتحدة بأن فنزويلا لم تلتزم بالأحكام القانونية والتنظيمية الوطنية، وتجاوزت جميع المواعيد النهائية، كما تجاهلت مطالب اللجنة الأممية خلال وجودها في البلاد. وأضاف التقرير أن الاحتجاجات التي أعقبت إعلان النتائج أسفرت عن مقتل أكثر من 20 شخصًا، بينهم جندي، واحتجاز أكثر من ألف شخص.
بدوره، أعلن "مركز كارتر" أن الانتخابات الرئاسية الفنزويلية لعام 2024 لم تستوفِ المعايير الدولية للنزاهة الانتخابية، ولا يمكن اعتبارها ديمقراطية، نظرًا لاستحالة التحقق من النتائج المعلنة، ما دفع عددًا من الدول، بينها الولايات المتحدة الأمريكية إلى التشكيك في شرعية فوز مادورو. (2،3)
تستند الرواية الأمريكية إلى اتهام مادورو بالانخراط في ما تصفه وزارة العدل بـ«الإرهاب المرتبط بالمخدرات»، من خلال تسهيل أو حماية شبكات تهريب كبرى يُعتقد أنها تستهدف الأراضي الأمريكية، واعتباره تهديدًا مباشرًا للأمن القومي. (4)
وتعود جذور هذه القضية إلى 26 مارس 2020، حين أعلن مسؤولون أمريكيون، بينهم المدعي العام للمنطقة الجنوبية من نيويورك آنذاك جيفري إس. بيرمان، الكشف عن لائحتي اتهام منفصلتين ضد مسؤولين فنزويليين حاليين وسابقين، وضد قيادات في القوات المسلحة الثورية الكولومبية (فارك).
وشملت إحدى لوائح الاتهام المعدّلة اتهامات بـ«إرهاب المخدرات» والاتجار بالمخدرات والأسلحة، وكان من بين المتهمين الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو. (5)
وقال بيرمان آنذاك إن مادورو، إلى جانب كبار مساعديه، أدار «شراكة في تجارة المخدرات والإرهاب» على مدى عقدين مع قوات «فارك» المصنّفة منظمة إرهابية أجنبية.
ووفقًا للاتهامات، يُشتبه في إدارته لما يُعرف بـ «كارتل الشمس»، وهي شبكة تهريب تضم مسؤولين حكوميين، وتآمرت مع «فارك»، لإرسال شحنات ضخمة من الكوكايين إلى الولايات المتحدة. (6)
وعلى أساس هذه الاتهامات، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية عن مكافأة قدرها 50 مليون دولار مقابل معلومات تؤدي إلى مادورو، بعد إدراج وزارة الخزانة الأمريكية «كارتل الشمس» على قائمة الإرهاب العالمي، ليصبح مادورو أول هدف في تاريخ برنامج مكافآت مكافحة المخدرات تُعرض بشأنه مكافأة تتجاوز 25 مليون دولار.
اختيرت المنطقة الجنوبية من ولاية نيويورك لأن لوائح الاتهام ضد مادورو قُدمت رسميًا أمام محاكم هذه الولاية، من قبل المدعي العام الأمريكي السابق جيفري إس. بيرمان.
في 5 يناير 2026 بعد يومين من اعتقاله، مثُل مادورو وزوجته، السيدة الأولى سيليا أديلا فلوريس دي مادورو، أمام محكمة دانيال باتريك موينيهان الفيدرالية في نيويورك.
وحتى لحظة إعداد هذا التقرير، لم تصدر أي بيانات رسمية من الحكومتين الأمريكية أو الفنزويلية بشأن ما دار داخل قاعة المحكمة. ومع حظر التصوير، اكتفت قنوات أمريكية ببث مباشر من خارج المحكمة، مع وجود مراسلين داخل القاعة.
وبحسب إفاداتهم، اقتصرت الجلسة على تلاوة التهم الموجهة إلى مادورو وزوجته، حيث دفع بعدم الإدانة، مؤكدًا براءته، ومشددًا أمام القاضي على أنه «رجل نزيه» ولا يزال رئيسًا لبلاده.
كما أُفيد بأن محامي الدفاع باري بولاك أثار تساؤلات حول قانونية العملية العسكرية التي نُقل بموجبها مادورو قسرًا من فنزويلا. وقررت المحكمة عقد الجلسة التالية في 17 مارس 2026، للنظر في الدفوع الأولية وطلبات الإفراج أو استمرار التوقيف الاحتياطي.
في 7 يناير 2026، أعلن ترامب أن السلطات الفنزويلية ستسلم ما بين 30 إلى 50 مليون برميل من النفط عالي الجودة، الخاضع للعقوبات، إلى الولايات المتحدة الأمريكية. مضيفًا أن هذا النفط سيُباع بسعر السوق، وأن ترامب بصفته رئيس الولايات المتحدة الأمريكية سيشرف على العائدات بنفسه، "لضمان استخدامها بما يعود بالنفع على شعب فنزويلا والولايات المتحدة.
أثار هذا الأمر شكوكًا بشأن دوافع الولايات المتحدة الأمريكية وراء العملية العسكرية التي تم خلالها اعتقال مادورو. فوفقًا لمنظمة الأوبك، تمتلك فنزويلا موراد طبيعية متنوعة تشمل النفط والغاز الطبيعي وخام الحديد والذهب والبوكسيت والماس ومعادن أخرى.
جدير بالذكر أن فنزويلا تمتلك أكبر احتياطي من النفط في العالم، حيث تمتلك 303.2 مليار برميل من النفط.
لا يُعد مادورو أول رئيس أجنبي يُحاكم قسرًا على الأراضي الأمريكية. ففي عام 1989، وبعد فشل انقلاب عسكري في بنما، غزت القوات الأمريكية البلاد ضمن عملية «السبب العادل»، واعتقلت الرئيس البنمي السابق مانويل نورييجا. (7)
ونُقل نورييجا إلى مدينة ميامي، حيث حوكم أمام محكمة فيدرالية، وأُدين عام 1992 بتهم تتعلق بتهريب المخدرات والابتزاز وغسل الأموال، وحُكم عليه بالسجن 40 عامًا.
في 5 يناير 2026، أدت ديلسي رودريجيز، نائبة مادورو، اليمين الدستورية رئيسةً بالنيابة لجمهورية فنزويلا البوليفارية، خلفًا للرئيس المحتجز لدى الولايات المتحدة.
وقالت رودريجيز إن توليها المنصب يأتي نيابة عن «جميع الفنزويليين الذين يمرون بظروف عصيبة»، ووصفت ما جرى بأنه «عدوان إمبريالي» و«اختطاف» للرئيس وزوجته.
تمثل محاكمة نيكولاس مادورو في نيويورك سابقة نادرة في التاريخ القضائي الدولي، إذ يُحاكم رئيس دولة حالي على خلفية اتهامات تتعلق بالمخدرات والإرهاب خارج بلده. وفي المقابل، تفتح هذه القضية نقاشًا واسعًا حول شرعية الإجراءات العابرة للحدود، وحدود استخدام القوة، واتساع صلاحيات القضاء الأمريكي. وبين الجدل القانوني والانقسام السياسي الدولي حول شرعية مادورو، تبقى هذه المحاكمة نقطة مفصلية في مستقبل فنزويلا، وفي طبيعة العلاقة بين السيادة الوطنية والعدالة العابرة للحدود.
Topic categories
Nada Muhmd (Fact-checker)
Nada holds a Bachelor's degree in Mass Communication from Misr University for Science and Tec...
Nada holds a Bachelor's degree in Mass Communication from Misr University for Science and Technology. A journalist specializing in storytelling, she has experience in both print and digital media, with a focus on developing articles, investigating issues, and leveraging social media to boost engagement and respond to breaking news. With a strong background in fact-checking, she has been working as a journalist at Al-Masry Al-Youm since November 2021, covering a wide range of topics and events. Since October 2023, she has been serving as a fact-checker at AkhbarMeter, ensuring the accuracy of information and detecting misinformation.
The Akhbarmeter team provides a space for stakeholders and the public to respond to information contained in the fact-checking process and correct it with complete transparency. You can contact us via our email at [email protected]. The team will also undertake to make the necessary corrections as soon as possible once the information is confirmed and accepted. Apply here
Do you have a correction or missing information you would like to add? 📱 Contact us
Topics that are related to this one