لماذا تضطر مصر إلى استيراد جلود بشرية لعلاج مصابي الحروق؟

لماذا تضطر مصر إلى استيراد جلود بشرية لعلاج مصابي الحروق؟

التكلفة قد تصل إلى مليون جنيه للحالة الواحدة

Published on : 13/02/2026  Updated on: 13/02/2026 02:02:04  Classification: Explainer 
  • بنك الأنسجة.. لماذا؟
  • أي أنسجة يمكن التبرع بها؟ 
  • من يتبرع؟ وماذا نزرع؟
  • لماذا لم تُطبَّق الفكرة بعد؟
  • خطوات نحو التفعيل
  • الموقف الديني من التبرع

بين الرفض والاستنكار من جهة، والترحيب والدعوة لفتح حوار مجتمعي أوسع من جهة أخرى، أثار مقترح النائبة أميرة صابر قنديل بإنشاء بنك وطني للأنسجة البشرية وتيسير إجراءات التبرع بعد الوفاة نقاشًا واسعًا في الأوساط المصرية. وتساءلت النائبة في مذكرتها الإيضاحية المقدمة إلى مجلس الشيوخ: لماذا تضطر مصر إلى استيراد جلود بشرية لعلاج مصابي الحروق بتكلفة قد تصل إلى مليون جنيه للحالة الواحدة، بينما يمكن تأسيس منظومة وطنية لجمع الأنسجة البشرية ومعالجتها وتوفيرها للمرضى، استنادًا إلى قانون تنظيم زراعة الأعضاء رقم 5 لسنة 2010 وتعديلاته؟ (1)

تتناول هذه الورقة لماذا هناك ضرورة لإنشاء بنك وطني للتبرع بالجلود والأنسجة البشرية بعد الوفاة، من حيث الإطار الطبي والحقائق العلمية المرتبطة بها، إضافة إلى الجدل المجتمعي الذي يحيط بهذا الموضوع بين مؤيدين يرونه وسيلة لإنقاذ حياة المرضى، وآخرين لديهم مخاوف أو تحفظات ثقافية ودينية.

بنك الأنسجة.. لماذا؟

يساهم إنشاء بنك وطني للأنسجة في توفير الجلد البشري اللازم بسرعة لعلاج مصابي الحروق الشديدة والحوادث الصعبة، ما يساعد على تغطية الجروح مبكرًا وتقليل خطر العدوى وفقدان السوائل، وهي من أهم أسباب الوفاة في هذه الحالات، ووفقًا لبيانات مستشفى أهل مصر الرائدة في علاج ضحايا الحروق. وتُعد الحروق من أخطر الإصابات التي تهدد حياة الملايين سنويًا، حيث تشير التقديرات إلى تسجيل نحو 11 مليون إصابة بحروق حول العالم كل عام. أما في مصر، فيُصاب سنويًا ما يقرب من نصف مليون شخص بحوادث الحروق، يشكّل الأطفال نحو 50% منهم، وتوضح البيانات أن أكثر من 37% من المصابين يفقدون حياتهم خلال الساعات الست الأولى بعد الإصابة. (2)

ليست الجلود وحدها، لكن بنوك الأنسجة يمكنها أيضًا أن توفر للمرضى الذين يحتاجون لقرنية العين، حيث أشار الدكتور محمود المتيني رائد زراعة الكبد في الشرق الأوسط أن مصر تستورد القرنيات حالياً بآلاف الدولارات، بينما يمكن توفيرها محلياً بسهولة من المتوفين بعد توقف القلب مباشرة. (3)

كما أن استخدام الزرعات الأنسجية (مثل الجلد والعظام) من بنوك الأنسجة يُقلّل من المضاعفات السريرية ويُسرع الشفاء، ويساهم في تقليل فقدان الأطراف أو التعويض عن أجزاء تالفة، إضافة إلى أن إنتاج وتخزين الأنسجة محليًا في بنك يقلل الاعتماد على الاستيراد باهظ التكلفة ويخفض تكلفة العلاج مقارنةً بشراء الأنسجة من الخارج. (4)

وتشير دورية مجلة الجمعية العلمية، إلى أن بنوك الأنسجة توفر موارد مهمة للأبحاث السريرية والبيولوجية، مما يمكن العلماء من دراسة الأمراض وتحسين فهمها، وتطوير علاجات جديدة، وتحليل المعلومات الجزيئية للأنسجة بغرض التوصل إلى علاجات مستهدفة. (5)

أي أنسجة يمكن التبرع بها؟ 

أنسجة الجسم هي مجموعات من الخلايا المتشابهة في الشكل والوظيفة، وتتعاون هذه الأنسجة لتكوين أعضاء وأجهزة تساعد الجسم على العمل بشكل سليم. (6)

وهناك أربعة أنواع أساسية من الأنسجة في جسم الإنسان: النسيج الضام، والنسيج الطلائي (الظهاري)، والنسيج العضلي، والنسيج العصبي.

يقوم النسيج الضام بدعم الأنسجة الأخرى وربطها ببعضها، ومن أمثلته العظام والدم والأنسجة اللمفاوية.

أما النسيج الطلائي فيكوّن الغطاء الخارجي للجسم مثل الجلد، وكذلك يبطّن الممرات والتجاويف المختلفة داخل الجسم.

ويشمل النسيج العضلي العضلات المخططة (الإرادية) التي تحرك الهيكل العظمي، إضافة إلى العضلات الملساء مثل العضلات المحيطة بالمعدة والأعضاء الداخلية.

أما النسيج العصبي فيتكون من الخلايا العصبية (العصبونات)، ويعمل على نقل الإشارات والرسائل بين أجزاء الجسم المختلفة. (7)

والأنسجة البشرية تختلف عن الأعضاء، فالأعضاء الحيوية (مثل الكبد والقلب) لا يمكن تخزينها في بنوك، وتؤخذ فقط من المتوفى "حديثاً" أما الأنسجة (مثل الجلد والقرنية) يمكن تخزينها في بنوك، ومعالجتها كيميائياً وطبياً قبل استخدامها، ويمكن الحصول عليها حتى بعد التوقف التام للقلب.

من يتبرع؟ وماذا نزرع؟

التبرع بالأعضاء وزرعها هو عملية إزالة عضو سليم من متبرع ومنحه لشخص يعاني من فشل في ذلك العضو، وتتضمن هذه العملية إجراء عمليتين جراحيتين متزامنتين تقريبًا: واحدة للمتبرع لإزالة العضو، وأخرى للمستفيد لاستقبال العضو، ويتيح زرع الأعضاء فرصة حياة ثانية للأشخاص الذين يعانون من أمراض أو إصابات تهدد حياتهم بسبب فشل أعضاء حيوية، ومع ذلك، فإن الحاجة للأعضاء المتبرع بها تفوق العرض بكثير. (8)

ويمكن الحصول على الأنسجة والأعضاء من متبرع حي أو متوفى. يشمل التبرع من متبرع حي إما كلية، أو جزء من الكبد، أو رئة، (تبرع محدود ولابد ألا يؤثر على الشخص الحي) بينما التبرع بالأعضاء والأنسجة بعد الوفاة يعني منح أحد أعضائك أو جزء منها، أو أنسجتك، لشخص يحتاجها للزرع بعد وفاتك، وتعد أكثر الأعضاء شيوعًا التي تُزرع بعد الوفاة هي: الكلى، الكبد، القلب، الرئتان، البنكرياس، والأمعاء الدقيقة، كما يمكن التبرع بأنواع مختلفة من الأنسجة، مثل الجلد، والأوتار، والعظام، وصمامات القلب، والقرنيات (العيون). (9)

ويمكن اعتبار أي شخص تقريبًا متبرعًا بالأنسجة، إلا أن هناك بعض الاستثناءات النادرة.

ويعد أفضل وقت للتبرع هو خلال 24 ساعة بعد الوفاة، لكن في بعض الحالات يمكن التبرع حتى 48 ساعة بعد الوفاة. (10)

لماذا لم تُطبَّق الفكرة بعد؟

ينظم قانون رقم 5 لسنة 2010 التبرع بالأعضاء والأنسجة من قبل المتبرعين الأحياء أو المتوفين المصريين وأن يكون ذلك بناء على إرادة المتبرع الحرة، وتنص المادة 8 أنه يجوز نقل الأعضاء أو الأنسجة من متوفي إلى شخص حي لإنقاذ حياته شريطة أن يكون المتوفي قد أوصى بذلك قبل وفاته وصية موثقة. (11

حسب المتحدث باسم وزارة الصحة الدكتور حسام عبدالغفار، كانت مصر تمتلك بنكين للأنسجة البشرية واحد في جامعة عين شمس وتم غلقه عام 1999 والثاني في القصر العيني وتم غلقه عام 2018، ولم يتم حتى هذه اللحظة أي عملية نقل لعضو من متوفى إلى شخص حي. 

ووفقًا للمتحدث، يحول تفعيل منظومة نقل الأعضاء من المتوفين إلى الأحياء في مصر عدد من الإشكاليات، وهي:

القبول المجتمعي والثقافة العامة: اعتبرها المتحدث الإشكالية الأكبر، حيث يحتاج المجتمع إلى تغيير ثقافته لتقبل فكرة التبرع بالأعضاء بعد الوفاة.

غياب المنظومة المتكاملة: العملية ليست مجرد قرار تبرع، بل تحتاج إلى نظام يربط بين مكان الوفاة والمركز الرئيسي لزراعة الأعضاء بشكل فوري.

الربط الإلكتروني وقاعدة البيانات: هناك حاجة ماسة لربط بيانات المتبرعين الموثقة مع قاعدة بيانات المرضى المحتاجين (قائمة الانتظار) لضمان سرعة نقل العضو وتوافقه طبياً.

تعقيدات التوثيق: رغم أن القانون لا يشترط "الشهر العقاري" تحديداً ويقبل طرقاً أخرى للتوثيق، فإن اشتراط "الموافقة الموثقة" رسمياً قبل الوفاة يظل عائقاً إجرائياً يتطلب تنظيماً أدق. (12

خطوات نحو التفعيل

وقعت وزارة الصحة والسكان  في يناير 2026 بروتوكول تعاون مع مؤسسة CSAI الإسبانية لتطوير منظومة التبرع بالأعضاء والأنسجة وزراعتها في مصر، من خلال نقل الخبرات الدولية، وبناء قدرات الكوادر الطبية، وتعزيز التعاون المؤسسي، مستلهمةً النموذج الإسباني الرائد عالميًا، بما يساهم في تحسين جودة الخدمات الصحية، وبناء منظومة وطنية متكاملة تتوافق مع المعايير العلمية والإنسانية، وتدعم تحقيق التغطية الصحية الشاملة. (13

خلال مؤتمر «تبرع مصر حياة» عام 2024، طُرحت فكرة التبرع بالأعضاء بعد الوفاة باعتبارها امتدادًا للعطاء الإنساني، يمنح الآخرين فرصة جديدة للحياة بعد رحيل صاحبها. وأُشير إلى العمل على بناء منظومة متكاملة تدعم هذا المعنى، عبر تجهيز البنية الطبية، والاستفادة من الخبرات الدولية، ونشر الوعي المجتمعي، بحيث تتحول المبادرة إلى بداية حقيقية لإنقاذ المرضى ومنح الأمل لمن ينتظرون دورهم في قوائم الزراعة. (14)

وخلال اجتماع وزاري عام 2023، جرى الحديث عن الحاجة إلى تفعيل منظومة التبرع بالأعضاء والأنسجة من المتوفين حديثًا، مع التأكيد على أن تنظيم العملية يتطلب إطارًا واضحًا يضمن الشفافية ويمنع أي ممارسات غير قانونية. كما طُرح العمل على تطوير بنوك الأنسجة والبنية التحتية، وميكنة تسجيل بيانات المرضى والمتبرعين، وإنشاء قاعدة بيانات مركزية تساعد على سرعة التوافق ونقل الأعضاء بأمان، بما يسهم في إنقاذ حياة المرضى وترسيخ فكرة التبرع بوصفها عملًا إنسانيًا مستمرًا. (15)

الموقف الديني من التبرع

جزء من تخوفات وتحفظات بعض المصريين تجاه التبرع بالأعضاء والأنسجة كان نابعًا من فكرة شائعة تقول إن نقل أو التبرع بالأعضاء بعد الوفاة حرام، وقد استقبلت دار الإفتاء المصرية سؤالًا حول هذا الموضوع وكان جواب دار الإفتاء كالتالي:

"استقرت الفتوى في الدِّيار المصريَّة على جواز نقل الأعضاء من الميت إلى الحي ويُشترط أن يكون الميت المنقول منه العضو قد أوصى بهذا النقل في حياته وهو في كامل قواه العقلية، وبدون إكراه مادي أو معنوي"  بالإضافة إلى جواز نقل الجلد من متوفى إلى حي "لا مانع شرعًا من إجراء عملية زراعة وترقيع الجلد عن طريق الانتفاع بجلد الإنسان الميت إذا كانت هناك ضرورة داعية لذلك، مع مراعاة أن يكون ذلك بعيدًا عن البيع والشراء والتجارة بأيِّ حالٍ. (16-17)

أما الكنائس الثلاثة الأرثوذكسية والإنجيلية والكاثوليكية فقد شجعت التبرع بالأعضاء بعد الوفاة، معتبرةً إياه عملاً من أعمال المحبة والتضحية من أجل الآخرين، كما جاء تعاليم المسيح في الكتاب المقدس. (18-19-20)

Conclusion

يثير مقترح إنشاء بنك وطني للأنسجة في مصر نقاشًا واسعًا بين مؤيدين يرونه وسيلة لإنقاذ مرضى الحروق وتوفير القرنيات محليًا بدل الاستيراد المكلف، ومتحفظين لأسباب ثقافية وإجرائية. ورغم وجود إطار قانوني يجيز التبرع بعد الوفاة، تعوق التطبيق تحديات القبول المجتمعي والبنية التنظيمية. وتتحرك الدولة لتفعيل المنظومة بدعم طبي وديني، فيما تجيز المؤسسات الدينية التبرع بوصفه عملًا إنسانيًا.

Profile Picture

Marian Samy (مدققة معلومات)

صحفية مستقلة مهتمة بالملف القبطي وحقوق الأقليات وقضايا المجتمع، عملت في عدد من المؤسسات الصحفية أ...

Correction policies

The Akhbarmeter team provides a space for stakeholders and the public to respond to information contained in the fact-checking process and correct it with complete transparency. You can contact us via our email at [email protected]. The team will also undertake to make the necessary corrections as soon as possible once the information is confirmed and accepted. Apply here

Related topics

Topics that are related to this one

Want accurate news and updates?
Sign up for our newsletter to stay up on top of everyday news.
We care about the protection of your data. Read our Privacy Policy