تصريحات مجتزأة تُتداول خارج سياقها
انتشرت تغريدات على منصة «إكس» تزعم أن منطقة الخليج آمنة من "تهديد النفط الفنزويلي"، وأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تورط في فنزويلا دون فائدة، بعد اجتماع جمعه برؤساء شركات نفط كبرى انتهى – بحسب الادعاء – بالفشل نتيجة ارتفاع تكلفة الاستخراج وعدم جدوى الاستثمار.
تداول مستخدمون على منصة «إكس» تغريدات تدّعي أن الرئيس الأمريكي ترامب تورط في فنزويلا دون جدوى، وأنه لن يتمكن من استخراج النفط بسبب ارتفاع تكلفة إعادة بناء القطاع، التي قُدرت بما بين 100 و183 مليار دولار، والحاجة إلى سنوات طويلة من العمل، إضافة إلى أن النفط الفنزويلي ثقيل، وسعر التعادل يصل إلى نحو 80 دولارًا للبرميل، ما يجعله – وفق الادعاء – غير مربح بالأسعار الحالية.
كما تداولت حسابات أخرى جزءًا من تصريح منسوب إلى الرئيس التنفيذي لشركة «إكسون موبيل» يفيد بأن "نفط فنزويلا غير قابل للاستثمار". وجاءت هذه المزاعم عقب اجتماع عقده الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع رؤساء شركات نفط كبرى للتخطيط لضخ استثمارات واسعة في البنية التحتية واستخراج النفط من فنزويلا.(1-2-3)
تحققت "معدة التقرير" من التصريحات المنسوبة إلى رؤساء شركات النفط، إضافة إلى تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول الاستثمار في فنزويلا، والتحقق من وقائع الاجتماع، تبين أن جزءًا من الرواية المتداولة صحيح، إذ عُقد بالفعل اجتماع في البيت الأبيض مع قيادات شركات نفط كبرى.
إلا أن التأويل المتداول لتصريحات مسؤولي الشركات جاء مجتزأً ومبتوراً من سياقه، ما خلق انطباعاً مضللاً بأن النفط الفنزويلي غير صالح أو عديم الجدوى اقتصاديًا، وأن ترامب في مأزق استثماري. (4)
في الواقع، لم يتحدث مسؤولو الشركات عن عدم صلاحية النفط ذاته، بل ركزوا على ارتفاع تكاليف الاستخراج والمعالجة، في ظل العقوبات والمخاطر السياسية والقانونية.
وأبدى معظم المشاركين استعدادهم للعمل شريطة توافر ضمانات أمنية وقانونية واضحة.
بدأ ترامب اجتماعه وقال إن: "الشركات الأمريكية تحظى بفرصة إعادة بناء البنية التحتية المتهالكة للطاقة في فنزويلا، وزيادة إنتاج النفط في نهاية المطاف إلى مستويات لم يسبق لها مثيل عندما تجمع بين فنزويلا والولايات المتحدة، سنمتلك 55%"، ووجه تهديدًا مباشرًا وتحدي للشركات الحاضرة قائلًا: إذا كنت لا ترغب في المشاركة، فقط أخبرني، لأن لدي 25 شخصاً ليسوا هنا اليوم وهم على استعداد لأخذ مكانك.".
دار الاجتماع حول مخاوف الشركات من الاستثمار في فنزويلا وجاءت أبرز التصريحات على النحو التالي:
1- فيكي هولوب - Vicki Hollub ( أوكسيدنتال - Occidental):
أكدت أن فنزويلا تمتلك حقولاً عملاقة، وأن المشكلة لا تكمن في وجود النفط، بل في حالة الآبار التي تُركت دون صيانة لسنوات. وأوضحت أنه في حال السماح بإرسال الطواقم والمعدات، يمكن تحقيق نتائج ملموسة خلال 6 إلى 12 شهرًا، مشيرة إلى أن التحدي الأكبر يتمثل في البنية التحتية المتهالكة وخضوع بعض مناطق النقل لسيطرة عصابات.
2- كريس رايت - Chris Wright (وزير الطاقة الأمريكي):
أوضح أن مصافي النفط في ساحل الخليج الأمريكي (تكساس ولويزيانا) مُصممة لمعالجة الخام الثقيل الذي تنتجه فنزويلا، وأن الولايات المتحدة كانت تستورد هذا النوع من النفط من مناطق بعيدة وبتكلفة أعلى بعد توقف الإمدادات الفنزويلية. وأشار إلى أن عودة هذا النفط ستخفض تكاليف التكرير وتنعكس على أسعار الوقود للمستهلك الأمريكي.
3- مايك ويرث - Mike Wirth (شيفرون - Chevron):
أشار إلى أن شيفرون هي الشركة الوحيدة التي واصلت العمل في فنزويلا بتراخيص خاصة، مؤكدًا أن رفع الإنتاج إلى 2 أو 3 ملايين برميل يوميًا يتطلب استثمارات رأسمالية ضخمة، لا يمكن ضخها دون ضمانات قانونية تحول دون مصادرة الأصول مستقبلًا.
4- هارولد هام - Harold Hamm (كونتيننتال - Continental):
أعرب عن قلقه من المخاطر السياسية، مشيرًا إلى أن شركته تعرضت سابقًا لمصادرة معداتها وآبارها، متسائلًا عن الضمانات التي تحول دون تكرار السيناريو نفسه في المستقبل.
5- دارين وودز - Darren Woods ( إكسون موبيل - ExxonMobil):
أوضح أن الأطر القانونية والتجارية الحالية في فنزويلا تجعل الاستثمار غير آمن، بسبب مصادرة أصول الشركة مرتين سابقًا. واقترح إنشاء حسابات ضمان في بنوك أمريكية تُودع فيها عائدات النفط أولًا، لضمان حقوق الشركات واستمرارية العمليات، وليس لعدم جدوى النفط ذاته.
قدم الرئيس الأمريكي وعودًا مباشرة لرؤساء شركات الطاقة مؤكدًا أن شركاتهم "لن تكون تحت رحمة الحكومة الفنزويلية"، بل "تحت حماية الولايات المتحدة". قائلًا لهم: "سوف تتمتعون بأمان كامل وحماية تامة، ولن يجرؤ أحد على لمس معداتكم".
كما وعد بأن هذه الصفقة ستحقق أرباحاً غير مسبوقة لشركاتهم، مضيفًا: "سوف تجنون الكثير من المال".
وأكد ترامب أن إدارته ستعمل على إزالة جميع العقبات الإدارية والتعقيدات القانونية الفنزويلية بما يسمح للشركات بالعمل كما لو كانت في ولاية تكساس.
في سياق أوسع، تعهد بأن هذا التعاون سيؤدي إلى السيطرة على نحو 55% من إنتاج الطاقة عالميا وهو ما يمنح الشركات الأمريكية اليد العليا ويكسر احتكار منظمة "أوبك". ووجه، عبر حديثه إلى رؤساء الشركات، رسالة إلى الشعب الأمريكي مفادها أن هذه الخطوة ستسهم في خفض أسعار البنزين.
وأصر ترامب على ضرورة بدء العمل فوراً، رافضًا أي حديث عن دراسات طويلة أو التأجيل، مطالبًا بتنفيذ المشروع وفق ما وصفه بـ "وتيرة ترامب" (Trump Pace). كما شدد على تجاهل خسائر الشركات السابقة الناتجة عن عمليات التأميم، قائلًا لدارين وودز (رئيس إكسون موبيل): "لن ننظر إلى ما خسره الناس في الماضي، لأن ذلك كان خطأهم.. نحن لا ننظر إلى الوراء".
وفي الإطار المالي، أكد ترامب أن تكون الولايات المتحدة هي "المشرف" على العائدات، ووافق فوراً على فكرة "حسابات الضمان" (Escrow Accounts) بما يضمن بقاء التدفقات المالية تحت السيطرة الأمريكية وحماية حقوق الشركات.
وختم ترامب حديثة بالتأكيد على أن الهدف النهائي ليس سياسياً فحسب، بل يتمثل في تعظيم الإنتاج إلى أقصى درجة ممكنة، مشددًا على أنه لن يسمح بأي عوائق بيئية أو قانونية قد تعرقل هذا الهدف.
يعود الوجود الأميركي في قطاع الطاقة الفنزويلي إلى النصف الأول من القرن العشرين، حيث لعبت الشركات الأميركية والأوروبية دورًا محوريًا في تطوير الإنتاج والبنية التحتية، ما جعل فنزويلا أحد أكبر المنتجين عالميًا، باحتياطي يُقدّر بأكثر من 303 مليارات برميل، أي نحو 17% من الاحتياطي العالمي.
ورغم ضخامة هذه الاحتياطيات، لم تُسهم فنزويلا سوى بنحو 0.8% من الإنتاج العالمي للنفط الخام عام 2023، وهو أدنى مستوى في تاريخها الحديث. ويتركز معظم الاحتياطي المؤكد في نفط خام فائق الثقل ضمن حزام أورينوكو، الذي يتطلب استخراجه خبرات وتقنيات متقدمة تمتلكها عادة الشركات الدولية.(5)
في سبعينيات القرن الماضي، خضع القطاع لعملية تأميم كاملة، سيطرت الدولة بموجبها على الإنتاج، وأصبحت شركة PDVSA المصدر الرئيسي لإيرادات الحكومة، مع منحها قدرًا واسعًا من الاستقلالية. وفي تسعينيات القرن العشرين، أعادت سياسة «الانفتاح النفطي» فتح الباب أمام الشركات الدولية عبر شراكات، ما أدى إلى ارتفاع الإنتاج ليصل إلى 3.5 ملايين برميل يوميًا عام 1997، قبل أن يدخل مجددًا في مسار تراجعي.(6-7)
بلغت سياسات التأميم ذروتها خلال حكم هوجو تشافيز، خصوصًا بعد عام 2007، حين صودرت أصول شركات أميركية كبرى، مثل إكسون موبيل وكونوكو فيليبس، دون تعويض مباشر، عقب فرض شروط مشددة على الشركات الأجنبية ورفض بعضها الامتثال لها. وأدى ذلك إلى صدام قانوني وسياسي طويل، تكبّدت خلاله الشركات الأميركية خسائر كبيرة، فيما تراجع إنتاج فنزويلا إلى نحو 742 ألف برميل يوميًا عام 2023، أي بانخفاض تراكمي يقارب 70% مقارنة بمستويات عام 2013. (8–9)
عقب الاجتماع مع مسؤولي شركات الطاقة، أصدر ترامب قرارًا تنفيذيًا ينص على أن عائدات فنزويلا المودعة في حسابات الخزانة الأميركية تُعامل كـ«ملكية سيادية» لا يجوز الحجز عليها أو إخضاعها لإجراءات قضائية. وتهدف هذه الخطوة إلى استخدام العائدات كورقة سياسية ودبلوماسية لدعم الاستقرار في فنزويلا.
وتربط الإدارة الأميركية بين حماية هذه الأموال وأهداف أوسع تتعلق بالأمن القومي، تشمل الحد من الهجرة غير النظامية، ومكافحة تهريب المخدرات، ومنع توسع نفوذ قوى تُصنَّف كـ«معادية» للولايات المتحدة، معتبرة أن فقدان السيطرة على هذه العائدات من شأنه تقويض المصالح الأميركية والاستقرار في نصف الكرة الغربي. (10)
الادعاء المتداول مضلل؛ إذ لم يصرّح أي من مسؤولي شركات النفط بأن نفط فنزويلا غير قابل للاستثمار. التصريحات الأصلية تناولت تحديات تتعلق بالتكلفة والمخاطر السياسية والقانونية، وطرحت شروطًا وضمانات للدخول في الاستثمار، بينما جرى اقتطاع هذه التصريحات وتقديمها على نحو يوحي بعدم جدوى النفط ذاته.
تصنيفات الموضوعات
Marian Samy (مدققة معلومات)
صحفية مستقلة مهتمة بالملف القبطي وحقوق الأقليات وقضايا المجتمع، عملت في عدد من المؤسسات الصحفية أ...
صحفية مستقلة مهتمة بالملف القبطي وحقوق الأقليات وقضايا المجتمع، عملت في عدد من المؤسسات الصحفية أبرزها دار الهلال، مجلة صباح الخير، رصيف22، المنصة، فكر تاني، وحصلت على الماجستير في الإعلام تخصص الصحافة من كلية الإعلام جامعة القاهرة وموضوع رسالتها عن تأثير ملكية المواقع الصحفية على مضمونها التحريري دراسة تحليلية مقارنة على عينة من المواقع وهي الأهرام، الدستور، المنصة، مدى مصر.
يتيح فريق أخبار ميتر المساحة المناسبة لرد الأشخاص المعنيين والجمهور على المعلومات الواردة في عملية تقصي الحقائق بتصحيحها بشفافية كاملة. يمكن التواصل معنا عبر بريد الموقع الإلكتروني [email protected]. كما يتكفل الفريق بإجراء التصحيحات اللازمة حال التأكد من صحة المعلومات وقبولها في أسرع وقت ممكن. قدم من هنا