لا توجد أدلة علمية.. و الأخطر هو حجم التعرض اليومي لرش العطور
انتشرت في الآونة الأخيرة فيديوهات ومنشورات على وسائل التواصل تدّعي أن رش العطر (البرفان) مباشرة على الجلد، خاصة منطقة الرقبة، يؤثر سلباً مع الوقت على الغدة الدرقية والغدد الصماء، بدعوى أن المواد الكيميائية تصل مباشرة إلى الدم والغدة بسبب قربها التشريحي.
هذه الادعاءات أثارت مخاوف واسعة بين الجمهور، لا سيما السيدات، رغم غياب أدلة علمية قوية تدعمها؛ لذا جاءت هذه الورقة لتوضيح الحقائق بناءً على الدراسات العلمية والمواقف الرسمية، وتمييز الادعاء الفيروسي عن المخاوف العلمية المعقولة حول بعض المكونات. (الأرشفة 1 )
يرتبط القلق غالبًا بفكرة أن الغدة الدرقية موجودة في الرقبة، ولذلك قد يظن البعض أن رش العطر على هذه المنطقة يعني أن مكونات العطر ستصل إليها مباشرة.
لكن تشريحيًا، الغدة الدرقية ليست موجودة مباشرة تحت الجلد. فهي تقع في الجزء الأمامي من الرقبة، أمام القصبة الهوائية، وتوجد بينها وبين سطح الجلد عدة طبقات من الأنسجة، منها الجلد و الدهون والأنسجة الضامة والعضلات. لذلك، لا يوجد «طريق مباشر» ينتقل فيه العطر من سطح الجلد إلى الغدة الدرقية. (1)
عند رش العطر على الجلد، يمكن لبعض مكوناته أن تخترق الجلد وتصل إلى الأوعية الدموية الصغيرة الموجودة تحته. وإذا دخلت هذه المواد إلى الدم، فإنها تنتقل عبر الدورة الدموية إلى أنحاء مختلفة من الجسم، وليس إلى الغدة الدرقية تحديدًا.
بمعنى آخر، الغدة الدرقية لا تمتص العطر مباشرة من الجلد الموجود فوقها. والدم الذي يحمل المواد الممتصة من الجلد يمر أولًا عبر الدورة الدموية قبل أن يصل إلى الغدة الدرقية، كما يحدث مع أي مادة أخرى تدخل مجرى الدم. وتوضح الدكتورة كاثلين واين، أخصائية الغدد الصماء في مركز ويكسنر الطبي بجامعة ولاية أوهايو، أن وصول مادة من سطح الجلد إلى الغدة الدرقية مباشرة أمر غير مرجح، لأن هناك عدة طبقات من الأنسجة تفصل بينهما. (1)
لا توجد أدلة علمية تثبت أن رش العطر على الرقبة يجعل مكوناته تصل إلى الغدة الدرقية بشكل أسرع أو أكثر مباشرة مقارنة برشها على منطقة أخرى من الجلد، مثل المعصم.
صحيح أن بعض مكونات العطور قد تكون لها خصائص مرتبطة باضطراب عمل الهرمونات، لكن السؤال المختلف هو: هل الكمية التي يمتصها الجسم من استخدام العطر المعتاد تكفي فعلًا للتأثير في وظيفة الغدة الدرقية؟ وهذا الأمر ما زالت الأدلة العلمية حوله غير كافية للحسم فيه.
لذلك، فوجود الغدة الدرقية في الرقبة لا يعني أن رش العطر على الرقبة يعرّضها للخطر بشكل مباشر. المسألة، إن وُجد تأثير، ترتبط بكمية المادة التي يمتصها الجسم وخصائصها وتأثيرها الهرموني، وليس بمجرد قرب مكان رش العطر من الغدة. (1)
تتركز بعض المخاوف حول العطور في الفثالات، وهي مواد تُستخدم في بعض المنتجات للمساعدة في تثبيت الرائحة وتحسين ثباتها. وقد ارتبطت بعض أنواع الفثالات بتأثيرات محتملة على الهرمونات، لذلك يدرس العلماء باستمرار مقدار تعرض الإنسان لها وتأثيره على الصحة.
وتشير الدراسات إلى أن بعض الفثالات يمكن أن تعبر الجلد بالفعل بعد وضع المنتجات التي تحتوي عليها. لكن مقدار الامتصاص يختلف كثيرًا من مادة إلى أخرى؛ فبعض الأنواع تعبر الجلد بسهولة أكبر، بينما يكون امتصاص أنواع أخرى محدودًا جدًا. كما أن وصول المادة إلى الدم لا يعني أنها تتجه مباشرة إلى الغدة الدرقية. فبعد عبورها الجلد، تدخل المادة إلى الدورة الدموية وتنتقل مع الدم في أنحاء الجسم، ثم يقوم الجسم بتكسيرها والتخلص منها، بشكل أساسي عن طريق عمليات الاستقلاب والإخراج. (2)
ليس بالضرورة. الدراسات التي أثبتت إمكانية امتصاص بعض الفثالات عبر الجلد لا تثبت أن وضع العطر على الرقبة يؤدي إلى وصولها مباشرة إلى الغدة الدرقية. الغدة الدرقية تقع داخل الرقبة، لكنها ليست ملاصقة للجلد، كما أن المواد التي تعبر الجلد تدخل إلى الدورة الدموية أولًا.
كذلك، تختلف كمية ما يمتصه الجسم بحسب نوع المادة، وتركيزها، ومدة بقائها على الجلد، وطبيعة المنتج المستخدم. لذلك لا يمكن القول إن مجرد رش العطر على الرقبة يعني تعرض الغدة الدرقية مباشرة للفثالات. (2)
هنا يجب التفريق بين أمرين: وجود علاقة بين التعرض لـ الفثالات وتغيّر مستويات هرمونات الغدة الدرقية، وبين إثبات أن الفثالات تسبب مرضًا في الغدة الدرقية. تشير بعض الدراسات إلى أن التعرض لـ الفثالات قد يرتبط بتغيرات في مستويات بعض هرمونات الغدة الدرقية. ففي مراجعة شملت دراسات على الأطفال والمراهقين، ارتبط التعرض لـ الفثالات بارتفاع مستويات هرمون T3 وانخفاض مستويات T4 الكلي، بينما لم تكن النتائج المتعلقة بـ TSH وT4 الحر متسقة بين الدراسات.
وفي دراسة تجميعية أخرى ركزت على نوع محدد من الفثالات يُعرف باسم DEHP، وُجد لدى البالغين ارتباط بين ارتفاع مستويات التعرض له وانخفاض بعض مؤشرات هرمونات الغدة الدرقية، مثل T4 الكلي وT4 الحر، مع ارتفاع طفيف في TSH. لكن هذه العلاقة لم تظهر بشكل واضح لدى الأطفال والمراهقين.(3) - (4)
تعني هذه الدراسات أن الفثالات قد تكون قادرة على التأثير في توازن هرمونات الغدة الدرقية، وهو أمر يستحق المزيد من البحث. لكنها لا تعني أن التعرض للفثالات يؤدي حتمًا إلى قصور الغدة الدرقية أو إلى الإصابة بمرض فيها. كما أن معظم هذه الدراسات تبحث عن ارتباط بين مستوى التعرض للفثالات ومستويات الهرمونات في الدم أو البول، ولا تستطيع بمفردها إثبات أن الفثالات هي السبب المباشر في تغير الهرمونات.
لذلك، فالصورة العلمية الحالية هي أن هناك إشارة محتملة إلى تأثير الفثالات على هرمونات الغدة الدرقية، لكن حجم هذا التأثير وأهميته الصحية ما زالا غير محسوم بشكل كامل. والأهم بالنسبة لاستخدام العطور: حتى إذا احتوى منتج ما على فثالات، فإن هذه الدراسات لا تثبت أن رش العطر على الرقبة تحديدًا يسبب خللًا في الغدة الدرقية. فالتأثير المحتمل يرتبط بالتعرض الكلي للمادة وكمية ما يمتصه الجسم، وليس بمجرد كون المنتج وُضع على الجلد فوق منطقة الغدة. (3) - (4)
عندما نتحدث عن سلامة العطور، فإن القلق لا يتعلق بالعطر ككل، بل ببعض المواد الكيميائية التي قد تدخل في تركيبته. ومن أكثر المكونات التي يكثر الحديث عنها الفثالات، والبارابين، وبعض المواد الأخرى التي قد يكون لها تأثيرات على الجلد أو على عمل الهرمونات. (5)
البارابين مواد حافظة تُستخدم لمنع نمو البكتيريا والفطريات وإطالة عمر بعض مستحضرات التجميل. وبعض أنواع البارابين لها نشاط هرموني ضعيف في الدراسات المخبرية، ولذلك أُثيرت تساؤلات حول تأثيرها المحتمل عند التعرض المتكرر.
لكن وجود نشاط هرموني في المختبر لا يعني بالضرورة حدوث تأثير صحي مماثل عند استخدام مستحضرات التجميل بالطريقة المعتادة. ولهذا ما زال العلماء يدرسون أهمية التعرض الفعلي للبارابين وكميته في الحياة اليومية.
هناك أيضًا مكونات أخرى في تركيبات العطور قد تثير القلق، لكن لأسباب مختلفة. فبعض المواد العطرية قد تسبب تهيج الجلد أو الحساسية لدى الأشخاص الأكثر حساسية، بينما يجري البحث في مواد أخرى بسبب احتمال تأثيرها في الجهاز الهرموني.
ومن المهم هنا عدم وضع جميع هذه المواد في فئة واحدة؛ فـ الحساسية الجلدية، والتأثير المحتمل في الهرمونات، و السمية الناتجة عن التعرض لجرعات مرتفعة، كلها أمور مختلفة. (5)
وجود اسم مادة كيميائية مثيرة للجدل في تركيبة العطر لا يعني تلقائيًا أن المنتج خطير. فالسؤال الأهم هو: ما المادة؟ وبأي كمية؟ وكم مرة نتعرض لها؟ وكم يمتص الجسم منها؟
لذلك، فإن الحديث عن الفثالات أو البارابين باعتبارها «مواد كيميائية خطيرة في العطور» يحتاج إلى قدر من الدقة. بعض هذه المواد تستحق الدراسة والمراقبة، لكن هذا لا يعني أن الاستخدام المعتاد للعطر يؤدي بالضرورة إلى مشكلة صحية أو إلى اضطراب في وظائف الغدة الدرقية.
وبالنسبة لمن يريد تقليل التعرض بشكل احترازي، يمكن اختيار منتجات ذات تركيبة أبسط أو منتجات خالية من العطر، مع الانتباه إلى أن عبارة «طبيعي» أو «عضوي» لا تعني تلقائيًا أن المنتج خالٍ من المواد التي قد تسبب الحساسية أو التأثيرات غير المرغوبة. (5)
لا توجد أدلة علمية تثبت أن رش العطر على الرقبة يضر الغدة الدرقية أو أن قرب العطر من مكان الغدة يجعله يصل إليها مباشرة؛ فالغدة الدرقية تقع داخل الرقبة وتفصلها عن سطح الجلد عدة طبقات من الأنسجة، بينما تمتص بعض المواد عبر الجلد إلى الدورة الدموية وتنتقل بعدها إلى أنحاء الجسم. وتثير بعض مكونات العطور، مثل بعض الفثالات، اهتمام الباحثين لأنها يمكن أن تُمتص عبر الجلد، وقد ارتبط التعرض لبعض أنواعها بتغيرات في مستويات هرمونات الغدة الدرقية في بعض الدراسات، إلا أن هذه النتائج لا تثبت أن استخدام العطر يسبب مرضًا في الغدة أو أن رشه على الرقبة تحديدًا هو السبب. كما أن الأدلة المتعلقة بالبارابين وغيرها من مكونات العطور تختلف بحسب المادة ودرجة التعرض، لذلك فإن الخطر لا يمكن تقييمه بمجرد وجود اسم مادة معينة في المنتج. وبناءً على الأدلة المتاحة، فإن الادعاء بأن رش العطر على الرقبة بحد ذاته يسبب خللًا في الغدة الدرقية غير مدعوم بأدلة كافية، بينما تظل مسألة التعرض المزمن لبعض المواد الكيميائية في العطور موضوعًا مشروعًا للبحث العلمي.
Mariam Rafaat (مدققة معلومات)
صحفية حاصلة على بكالوريوس إعلام من جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، تخصص إذاعة وتليفزيون (2023/2024...
صحفية حاصلة على بكالوريوس إعلام من جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، تخصص إذاعة وتليفزيون (2023/2024). لديها خبرة ثلاث سنوات كمراسلة في قسم الأخبار والتحقيقات بجريدة المصري اليوم، وتعمل كمدققة حقائق في موقع أخبار ميتر. وهي متخصصة في تحديد الأخبار الكاذبة والمعلومات المضللة وتفنيدها، وخاصة تلك التي تنتشر على نطاق واسع على منصات التواصل الاجتماعي. ومن خلال عمليات التحقق الصارمة، تضمن وصول المعلومات الدقيقة إلى الجمهور.
يتيح فريق أخبار ميتر المساحة المناسبة لرد الأشخاص المعنيين والجمهور على المعلومات الواردة في عملية تقصي الحقائق بتصحيحها بشفافية كاملة. يمكن التواصل معنا عبر بريد الموقع الإلكتروني [email protected]. كما يتكفل الفريق بإجراء التصحيحات اللازمة حال التأكد من صحة المعلومات وقبولها في أسرع وقت ممكن. قدم من هنا